هل تعود أسرة محمد رضا بهلوي شاه إيران للحكم من جديد؟
سلطة القمع المذهبي لا تملك المقدرة على خلق المجتمع المدني

- استراتيجية الشرق الجديد سوف تعيد صياغة خرائط المنطقة بعدما أصبحت القديمة منها في حكم المحو التام
- شاه إيران عمل على جعل بلده في مصاف الدول المتقدمة
- هل تصل نيران إيران إلى دول المنطقة ؟
- حين يحدث السقوط الكامل لحكم الملالي سوف تنهار كل أذرع إيران في المنطقة
14أكتوبر/ خاص:
نجمي عبدالمجيد:
من عام 1978م حتى 2026م قد نراها في حسابات الأيام عقوداً طويلة لكنها في وعي الذاكرة التاريخية والأحداث فترات محدودة فيها المفارقات، ومن يظن البعض أنه قد زال من الوجود يعود في الراهن وكأنه الحتمية القدرية التي تعيد صياغة مصائر الشعوب.
ذلك ما يجري اليوم في إيران وكأن صور الماضي تعيد مشهد خروج الشعب ضد الحكم الملكي لتسقطه وترفع سلطة رجال المذهبية الشيعية لتدخل بعدها ايران في حكم الرعب الدموي والرهانات المنفلتة من ركائز بعد النظر وتقدير مواقع الأمور، هذه السلطة الحاكمة باسم الحق المطلق.
حين سار الرئيس الراحل أنور السادات بجنازة الشاه في مصر بتاريخ 29 يونيو 1980م هل كان يرسل لنا رسالة لم نعرف فك رموزها إلا في الحاضر؟
من راقب المشهد السياسي في تلك الحقب وينظر إلى انفجارات اليوم في ايران لا يغفل ان خرائط المنطقة لم تعد خاضعة لتلك الشروط التي تسايرت عليها ومن إيران قد تمتد عواصف نارية نحو الخليج العربي.
وعلى الجانب الآخر وتحديداً في فرنسا ترصد المشهد أسرة آخر ملوك إيران الشاه محمد رضا بهلوي وكأن مسار الأحداث قد يعود بها إلى حكم ايران. لقد هوت ثوابت السلطة الدينية بعد ما سوقت كل أكاذيب الحكم القدري الذي خلق في الأنفس كيانات من اشباح العقيدة كان فيها الموت والدم وعبادة الفرد الانتماء لنوعية هذا الحكم.
كتب بيتر افري البروفيسور في جامعة كامبريدج في صحيفة كور بير الصادرة عن منظمة اليونسكو عدد أكتوبر 1971م عن حقبة التطور في ايران وسياسة الملك في جعلها القوة الفاعلة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً في المحيط الاقليمي والدولي قائلاً: (تتمتع ايران الحديثة بثروة فقد استعادت الثقة في الذات التي خسرتها قسراً خلال فترة الهيمنة الأجنبية والاستغلال بداية من 1722م عندما خسرت الأسرة الصفوية الحكم واستمر ذلك طوال القرن التاسع عشر والسنوات الأولى من القرن العشرين عندما خنقت حركة التوسع البريطاني والروسي ايران وقتلتها تقريباً، والآن حظيت ايران مرة اخرى بالاحترام على المسرح الدولي فهي تستطيع ان تلعب بالفعل دوراً حقيقياً في شؤون العالم كما أنها باعتبارها عضواً في الأمم المتحدة افسحت الطريق أمام غيرها من البلدان النامية.
واصبحت مكاناً مثالياً للاجتماعات من أجل الاعداد للاتفاقيات الدولية والمباحثات بشأن المشكلات الحالية مثل الغذاء والتنمية والأمية وحقوق المرأة، وهي مرة اخرى مركز الافكار والتقنيات لدى القومية الفارسية سبب للابتهاج فالخليج الفارسي يتحول شيئاً فشيئاً إلى منطقة نفوذ لطهران، وتدرك الكويت والبحرين وجميع الامارات بل حتى السعودية ان ايران بلد يحسب له حساب تماماً مثلما عرف العالم الهيليني بأهمية فارس في عصر الملوك العظماء).
اطلق شاه إيران على نفسه (حارس الخليج العربي) ولم يخرج هذا الحكم عن الملالي بعد ذهاب حكم الشاه لكن فروق استراتيجية العمل والفكر السياسي بين المراحل بدلت الكثير من الحسابات، فإن كانت حقبة الشاه بناء قوة ردع والسيطرة عبر ممارسة سياسة المراحل فإن مرحلة حكم الملالي وهيمنة المذهبية مارست سياسة الهجوم والتوسع وتوزيع المال السياسي وبناء قدرات عسكرية وجعل المذهب الشيعي في عدة دول في المنطقة العربية عقيدة قتالية تنفذ أغراض التوسع وهذا ما جعل من ايران منطلقاً لقيادة الحروب الأهلية والانقسامات الداخلية وأسقط سلطة الدولة المركزية وممارسة عملية هدم الحدود السيادية. هنا تدخل مسألة إدارة الحوار في اساليب الصراع.
نحن هنا أمام نظرة الأفاعي السوداء في الصراع السياسي لعبة الناب والذنب في المواجهة مع العدو متى تقدم الناب السام ومتى تقدم الذنب الخادع.
لا تكون القوة دائماً في المقدمة وهي الناب السام، بل تتطلب بعض المواقف سياسة المرواغة واللعب على الأحداث وتسويق وجهات النظر، وهذا ما هو في اطار ادارة الأزمات عند الادارة الايرانية التي لعبت على عدة محاور ما بين الحرب والحوار.
لكن هذا النوع من الممارسات دائماً ما تكون له تراكمات من الأزمات والتصدعات في الداخل، حينها تصل سياسة هيمنة العقيدة على النفسية إلى الطريق المسدود وربما إلى النفق المظلم.
بعدها يكون الانفجار من الداخل هنا نجد أنفسنا أمام رؤية تصنعها حركة التاريخ فهي تقول: ان مكانة العنف في صناعة التاريخ حقيقة ليس من السهل اخراجها من حسابات العمل السياسي.
بل هو قوة الدفع في خلق أسس التجديد عند كل منعطف ولكن على من يمارس فعل السياسة وضع العنف في حسابات المصالح؛ لأن الذهاب نحوه دون إدراك لنوعية الحالة يقود إلى مزيد من الفوضى والتدمير وفقدان السيطرة، وهذا قد يذهب بمن يعمل على تغيير الوضع إلى عواقب مدمرة عليه. ومن هنا على رجل السياسة ان يدرك أن للعنف شروطاً وقوانين يعمل على أسسها ولو اختلت الموازين يصبح خارج امكانية السيطرة بل قد يضرب من جاء به وينزله إلى محرقة الفناء.
لقد برهنت الكثير من الوقائع السياسية على صحة هذا الرأي، فقد ظن بعض رجال السلطة ان اشعال حرائق العنف سوف يقود ويقدم لهم المزيد من فرص التحكم، لكنهم تجاهلوا ان لنوعية الأرض التي يقفون عليها شروطاً وحسابات وليس كل مكان له نفس الخصائص، فإن لم تكن العقلية التي تدخل هذا الميدان قد أدركت خرائط تحركات العنف وآليات التطرف وأساليب الارهاب، تسقط في مقومات دمارها؛ لأن العمل القيادي في هذا الأمر لا يقف عند صورة واحدة بل تتحول فيه الأوضاع كلما تسارعت حدة المواجهات. من هنا نجد الأوطان والشعوب التي عصفت بها دورات العنف السياسي قرد فرخت عناصر غير متجانسة من افكار التطرف، واصبحت تلك الأمم لاتجد نفسها إلا في مزيد من الحروب والتناحرات حتى غاب عنها سبيل الخروج من هذه المهاوي القاتلة، وهذا التراكم من العنف قد أفرغ مستويات الوعي منها لمعنى التجاوز، حيث تظل رهينة انفجارات يعاد خلقها من داخلها دون توقف.

إيران اليوم تمر بمثل هذه الحالة لكن هناك معادلات تطرح باسم جغرافيا تغاير عقلية السلطة المذهبية.
هل تعود أسرة شاه ايران محمد رضا بهلوي للحكم؟
هو تساؤل الحنين إلى ما رفض في الماضي وأصبح طموحاً اليوم. لكن لو نظرنا إلى مسافات اخرى من خارطة الصراع في المنطقة ربما لا تذهب النتائج إلى حيث ما يصبو له الطموح، لكن علينا ان لا نسقط حسابات اخرى في هذه الأزمة.
توجد في ايران عدة قوميات ومذاهب وجماعات هي غير قابلة لحكم رجال الدين المذهبي منذ ان وجد، كما عملت الحروب التي تفجرت في الداخل والخارج على صناعة الفرق والكيانات المسلحة التي اصبح لديها خبرة في حرب العصابات إلى جانب الترسانة العسكرية القتالية الكبرى والداخلة في اطار مجمع التصنيع الحربي.
في حالة الانهيار الكامل للحكم هل توجد قوة سياسية لها المقدرة على السيطرة ومنع حالات الانفلات التي تضرب البلد؟
المعروف في نظريات الصراعات السياسية ان السقوط دون بدائل قادرة على خلق سلطة الادارة سوف يدخل البلد في فوضى والفوضى ستكون الساحة الأوسع التي تحولها هذه الجماعات إلى دوائر قتال.
أما الترسانة الحربية دون شك فستدخل في هذا الانفلات وتخرج من مخازنها إلى الساحات.
هنا علينا ان نلقي نظرة على خارطة الخليج العربي، مضيق هرمز وعمان وبحر العرب والعمق البري، وكل يدرك مقدرة السلاح الايراني والقوة التدميرية التي سوف يحدثها ليست على قرب من منابع النفط بل في عمقها، هذا غير الحضور المذهبي ـ الشيعي في هذه الخطوط المشتعلة في حين عبرت هذه الأسلحة الحدود البحرية والبرية والجوية.
إن فعل التدمير لن يكون محدوداً أو قابلاً للسيطرة لأن من سوف يحكم الأرض ليس له خارطة واضحة المعالم.
هذا يدل على أن نظرية الانفلات الأمني ، دائماً ما تكون فاقدة لخرائط أو بوصلة تحديد الاتجاه. ولا يصبح الأمر إلا لمن يملك السلاح .
هذا يذهب بما يجري من انفجارات في الشارع الإيراني نحو فاعلية في التصاعد. وإن لم توجد قيادة توحد هذا التصعيد يتحول الشارع إلى قوى فاعلة دون المرجعية.
في هذا الانزلاق نحو التشرذم، تصبح كل كتلة نارية مركزاً لصنع القرار في خضم هذا الصراع.
حينها لن تكون المساحة الإيرانية المسار الأوحد في هذه المعركة؛ لأن إسقاط السد لا يعني غير الطوفان والغرق وهو طوفان النار والدم الذي لن تكون منطقة الخليج العربي خارج مساره.
ودائماً في الصراعات إن وجد السلاح تصبح حساباته متجاوزة لحسابات السياسة، بل تخلق حالات الاختلال في هذا الجانب.
هذه الوضعية لم ينجُ منها نظام شاه إيران في السابق، فقد كان لديه طموح كبير في تحويل بلاده إلى قوة ضاربة عبر شراء أكبر قدر من السلاح، والذي ذهب بعد ذلك إلى من حاربوه واسقطوا نظامه.
ناقش هذا الأمر الباحث البريطاني فريد هوليداي في كتابه «مقدمات الثورة في إيران» الصادر عام 1979م.
وقد تناول هذا الطرح قائلاً: ( مشاكل تدفق السلاح عقب إتفاق عام 1972م ما بين الشاه ونيكسون، وخاصة بعد ارتفاع أسعار النفط هبط جيش من باعة السلاح الأمريكيين على إيران. وهكذا فعل أمثالهم من البريطانيين والفرنسيين وإن كان بعدد أقل، ولكن حالما برزت مشاكل حادة، رغم ما كانت تحاول الحكومة الإيرانية ومصادر تزويدها بالسلاح أن يفعلوه- أي تجاهل التأثيرات السياسية..
لقد خرج تدفق السلاح من دائرة السيطرة، فلم يكن بمقدور الوكالات الأمريكية ولا بمقدور الحكومة الإيرانية الاطلاع على طلبات إيران من السلاح.
فقد كانت مسؤولية شراء السلاح بالكامل بيد الشاه وحده الذي لم يهتم بإجراء دراسات عما تحصل عليه إيران.
ومع عام 1976م ساءت العلاقات بين المسؤولين الأمريكان والإيرانيين فقد اتهم الشاه من ناحيته الشركات الأمريكية بأنها تلقي بمعدات لا قيمة لها في إيران وبأسعار عالية، في حين أن محققين تابعين للكونجرس الأمريكي كانوا من ناحيتهم يتساءلون حول قدرة إيران على استيعاب واستعمال السلاح الذي تشتريه).
لغة السلاح الضربة القادمة على إيران.. أمريكا هي من تقود هذه الحرب.
هنا تصبح المسألة ليست مجرد هدم لنظام المذهب، لكن محو هذا التوسع العسكري والقوة في صناعة السلاح. إنها مرحلة من وضع إيران في إطار إستراتيجية هي ليست محصورة في هذه الجغرافية الإيرانية بل تمد نفوذها إلى دول عدة في الشرق الأوسط، بل على الطرف الآخر دولة قد تكون هي على موعد مع نفس مصير إيران. وهل يكون مصير هذا البلد التشرذم والفوضى، أم العودة إلى حكم أسرة شاه إيران؟؟.
إن طرح الإجابات القاطعة في مثل هذه الأوضاع، لا يكون في محل الرد الشافي، أو التحليل الذي يوجز القضية.
دائماً حين تضرب الفوضى السياسية، تكون عملية بناء الاستنتاج عند حالة من فقدان التوازن.
واليوم إيران تعاني ليس من انفجار جماهيري عاصف، هذا النوع من ردود الفعل، تصبح معه عمليات قياس الأحداث والأهداف عند مستوى معين من الإدراك، قفزاً فوق ما يستجد من الوقائع.
من هنا تترك قضايا التقدير إلى وقت تنصيف المسائل.
إسرائيل وأمريكا وغيرها من الدول في الشرق والغرب كيف سوف تنظر إلى سقوط حكم الملالي ـ المذهبية؟
أخطر تساؤل يطرح في السياسة هو: ماذا بعد؟
ليس الفراغ الذي يأتي في قيادة البلد بعد انهيار نظام حكمها، يدل على غياب التحكم.
لكنه يصبح التمهيد لنقل الموقع والحدث إلى فترات، إما أن تكون شبه مستقرة، وإما تذهب نحو صراعات ليس من السهل حصرها في أوقات قريبة.
لكن تظل عودة رضا محمد رضا بهلوي لحكم إيران، حلماً، ربما له من الوقائع ما تعيده إلى صدارة المشهد السياسي.
وربما تختل موازين الطموحات نحو الهدف، لذلك نطرح الحكم كافتراض، ولا نسقط الجانب الآخر من الصراع.. سيطرة الفوضى على المشهد وفي السياسة كل الاحتمالات مفتوحة.
