ما يجري في وادي حضرموت، وتحديدًا ما يتعلق بتطهير المنطقة العسكرية الأولى، لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي الأشمل، ولا عن حسابات التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية. فبعيدًا عن الضجيج الإعلامي ومحاولات التشويش، تبدو هذه الخطوة جزءًا من ترتيب مدروس، أُنجز بتوجيهات سعودية خالصة، وليس مغامرة منفلتة أو اندفاعة خارج الإطار المتفق عليه.
الحديث عن عدم رضا المملكة عن توجه المجلس الانتقالي الجنوبي نحو الوادي، تحت ذريعة “قطع شريان الحوثي” أو “إثارة حساسيات داخلية”، لا يصمد أمام الوقائع. فالوادي ظل لسنوات مساحة رمادية، تختلط فيها المصالح، وتتحرك فيها خلايا نائمة، وتدار فيها شبكات نفوذ أبعد ما تكون عن معركة استعادة الدولة. ومن هنا، فإن تصحيح وضع هذه المنطقة، وكشف ما يدور في دهاليزها، ليس تهديدًا للاستقرار، بل شرط من شروطه.
الترتيبات القادمة، كما تشير المؤشرات، لن تكون خارج صندوق التحالف العربي، ولن تتم بمعزل عن الرياض وأبوظبي. فالسعودية لا تُدار سياستها بردود الأفعال، بل بمنطق التراكم المرحلي، وإدارة التناقضات بأدوات سياسية وعسكرية متوازنة. وما يبدو للبعض تباينًا أو تضاربًا في المواقف، هو في جوهره توزيع أدوار محسوب، وامتصاص لضغوط متعددة، بانتظار نضوج اللحظة المناسبة.
ولولا ثقة المملكة بالجيش الجنوبي، وقدرته على ضبط الأرض وإدارة المواجهة، لما كلفه التحالف بهذه المهمة الحساسة. هذه الثقة لم تأتِ من فراغ، بل من تجربة ميدانية طويلة أثبت فيها الجنوبيون أنهم الطرف الأكثر تماسكا، والأقرب إلى فهم طبيعة المعركة، والأقدر على الفصل بين معركة مكافحة الحوثي ومعركة تصفية الحسابات السياسية.
أما أولئك الذين يتعمدون زرع الشقاق بين المملكة والمجلس الانتقالي، فهم لا يقرؤون المشهد بقدر ما يوظفونه. بيادق تتحرك وفق مصالح ضيقة، وتحاول طمأنة أطراف تعادي السعودية وتحارب حليفها الجنوبي، عبر بث الشكوك وتغذية خطاب التخوين. والبيانات المتتالية التي تصدر هنا وهناك، لا يمكن فهمها إلا كجزء من الحنكة السياسية لإدارة الصراع، وربما – في أحد أوجهها – لدفع ما تبقى من “شرعية خاملة” وجيشها المترهل إلى الاتجاه نحو معركته الحقيقية: الشمال، وصنعاء.
في الخلاصة، هذه قراءة للمشهد كما هو، لا كما يُراد له أن يُقدَّم. السعودية، في نهاية المطاف، تبحث عن حليف صادق، ثابت، وقادر على حماية الأرض والمشروع معًا. وبعد سنوات من التجربة، يبدو أن أبناء الجنوب هم الأكثر أهلية لهذا الدور، ليس بالشعارات، بل بالفعل والالتزام على الأرض.
هذه ليست عاطفة، بل حسابات دولة.
