بغداد / 14 أكتوبر / بيتر جراف : تقترب الحرب البريطانية في العراق من نهايتها لكن لن تدور كؤوس الشمبانيا احتفالا بالنصر. في غضون أقل من أسبوعين تسلم القوات البريطانية المسؤولية الأمنية عن البصرة آخر محافظة تسيطر عليها في جنوب العراق لقوات عراقية. وبعد نحو خمسة أعوام من إرسال رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير 46 ألف جندي بريطاني لمساعدة الولايات المتحدة على الإطاحة بالرئيس العراقي السابق صدام حسين ستبقي بريطانيا قوة لا تزيد عن بضعة آلاف يقتصر تواجدها على قاعدة جوية وحيدة قرب البصرة. وتقول لندن إن قواتها أحسنت أداء مهمتها فالمناطق التي كانت تسير فيها دورياتها في جنوب العراق ستنتقل مسؤوليتها إلى جنود ورجال شرطة عراقيين انهوا تدريبهم حديثا. وقال وزير الدفاع البريطاني «ديس براون» خلال زيارة للبصرة قبل شهر " الأمور تتحسن هنا لسبب شديد الوضوح. العراقيون أنفسهم أكثر قدرة على تحمل مسؤولية أمنهم." ، غير أن نتائج أكبر عملية عسكرية خارجية لبريطانيا فيما يزيد عن 50 عاما تبدو غامضة على أحسن تقدير. ويقول منتقدون إن البصرة تحولت إلى مدينة تطبق فيها ميليشيات شيعية القانون وتكتب على جدرانها تهديدات بقتل النساء غير المتحجبات. واختطف مترجمون عملوا مع القوات البريطانية وعذبوا وقتلوا. وخلص بعض الخبراء إلى ان بريطانيا خسرت الحرب. وقال المحلل الأمريكي انتوني كوردسمان من المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في أغسطس "من الواضح تماما ان البريطانيين هزموا. أنهم مهمشون إلى حد كبير داخل جيب". وربما يكون هذا الحكم قاسيا جدا. وذكر تيم ريبلي الذي يكتب في مطبوعات جينز الدفاعية في مطلع الأسبوع "صورت حكومة بلير ذلك على انه جهد باسل لتغيير الشرق الأوسط ليصبح منارة للمنطقة لكن هذا لم يكن قط هدفا قابلا للتحقيق في ضوء الموارد التي خصصتها (الحكومة) له."، وتابع "لعبوا من أجل التعادل. وأقول انه تقييم أكثر واقعية. تعادل بدون أهداف في الوقت الإضافي. ليست نتيجة جيدة." على الجانب الايجابي من التقييم نرى البصرة مدينة تعج بالنشاط حيث تفتح المطاعم أبوابها حتى وقت متأخر من الليل والشوارع مزدحمة والتجارة مزدهرة على النقيض تماما من إحياء بغداد التي تحيط بها الأسوار. وتصدر البصرة أكثر من 1.5 مليون برميل من النفط يوميا تمثل جزءا رئيسيا من إيرادات الحكومة المركزية. لكن من يسيطرون على شوارع البصرة ليسوا من أصدقاء بريطانيا أو الولايات المتحدة وهو الأمر الذي قد يسبب مشاكل للحكومة المتحالفة مع الولايات المتحدة في بغداد. وقال ريبلي "الهدف كان ان يتحمل المسؤولية أصدقاء لنا. بعد إرسال هذا العدد الكبير من القوات وإنفاق مليارات الجنيهات الإسترلينية ماذا حققنا في المقابل؟" وربما تكون أسوأ مرحلة للقوات البريطانية في العراق هي المرحلة الأخيرة. فعلى مدار خمس سنوات تقريبا سقط 134 جنديا بريطانيا قتيلا في معارك مع العدو في العراق وقتل أكثر من 30 منهم في أربعة أشهر من ابريل إلى يوليو من هذا العام بعد إعلان بلير خطط الانسحاب من البصرة. واستقبلت الميليشيات الشيعية إعلان بلير بهجمات مكثفة بالقنابل وقذائف المورتر لم تتوقف فعليا على مدار أشهر. وعقب إعلان الجيش البريطاني ان الأمير هاري حفيد الملكة اليزابيث سيخدم في العراق ألغى الجنرالات القرار في اللحظة الأخيرة في مايو. لم يعد العراق آمنا للأمير الذي يأتي في المرتبة الثالثة في ترتيب الولاية على العرش بعد والده الأمير تشارلز ولي العهد وشقيقه الأكبر الأمير وليام. وقال القائد البريطاني الميجر جنرال جراهام بينز في الشهر الماضي "من مايو إلى يوليو كان لواؤنا في البصرة يقف في مواجهة الميليشيات الشيعية في المدينة وخاض اعنف المعارك التكتيكية التي خضناها في نحو اربع سنوات منذ ان قدمنا إلى هنا." وأضاف "إذا كان 90 في المائة من أعمال العنف موجهة ضدنا فماذا سيحدث إذا انسحبنا وهل سيحسن ذلك الوضع بالنسبة للمواطن العادي من سكان البصرة." وفي سبتمبر انسحبت بريطانيا من قصر سابق لصدام في وسط البصرة إلى قاعدة جوية خارج المدينة لتنهي تواجدها في شوارع البصرة على مدار أربعة أعوام ونصف العام. ومنذ ذلك الحين انخفضت أعمال العنف وكما هو متوقع قلت أعمال العنف ضد البريطانيين لأنهم غير موجودين في المدينة. ويضيف بينز ان أعمال العنف بين الميليشيات المتناحرة لم تتزايد على عكس التوقعات وهو على نقيض ما حدث في محافظات أخرى. ويقول بينز ان ذلك يرجع في جزء منه لسيطرة جيش المهدي الموالي لرجل الدين الشيعي مقتدى الصدر على البصرة.، وتابع "كنا نتوقع تصعيدا (لأعمال العنف). في كل محافظة سلمت (للسلطة العراقية) تصاعدت أعمال العنف بين الشيعة. لم نر ذلك في البصرة. اعتقد ان ذلك نتيجة قوة ميليشيات الصدر الكبيرة." ويسيطر على مجلس مدينة البصرة حزب شيعي اصغر منافس للتيار الصدري وكبار قادة الجيش والشرطة موالون للحكومة في بغداد التي تسيطر عليها أحزاب شيعية أخرى. واستعرض مسلحون عضلاتهم في أكتوبر واستولوا على مركز شرطة. وأنهت الشرطة المواجهة دون إراقة دماء ودون طلب مساندة من بريطانيا.، ومع انقضاء نصف مدة الهدنة التي أعلنها الصدر في أغسطس لمدة ستة أشهر تحاشت ميليشيات جيش المهدي وقوات الآمن الدخول في أي مواجهات.، وحتى الآن يمكن القول ان الطرفين متعادلان.