المستشارة تهاني الجبالي أول قاضية مصرية :
القاهرة / متابعات :أكدت المستشارة تهاني الجبالي نائبة رئيس المحكمة الدستورية العليا وأول قاضية في تاريخ مصر "الإسلام الحضاري" ليس دولة دينية.جاء ذلك في ندوة عن الإطار الدستوري لتطبيق المادة الثانية من الدستور والتي تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع نظمها منتدى الحوار التابع لمكتبة الإسكندرية أمس تحت إدارة الدكتور محمد رفعت أستاذ القانون الدستوري، أحد رموز الفكر القانوني والدستوري بمصر.ناقشت المستشارة هذه المادة المثيرة للجدل، مقدمة تحليلاً دقيقاً ومستفيضاً لفقرات النص القانوني لها. وقد بدأت بمقدمة عامة حول تاريخ هذا النص في الدستور المصري ، وقالت" أن هذا النص الذي أتي في مقدمة ما يسمي بمقومات الدولة هو نص حاكم . فما من نص في الدستور المصري ، يحظي باهتمام المواطنين في مجال الإطار العملي لتطبيق مثل هذا النص. وقد ساعد في اتساع دائرة الحوار الوطني حوله، وعشنا مرحلة نسمع ونقرأ عن آراء متباينة عنه . وما يدفعني للحديث عنه هو أن الدستور المصري قد مضي عليه 30 عاما، ومر على تعديله 26عاماً ، وكان محل تطبيق في المرحلة السابقة وعلي امتداد فترة طويلة من الزمن" . ثم قامت بتفنيد فقرات هذا النص ، إلى ثلاث فقرات؛ وهي " الإسلام دين الدولة"، " اللغة العربية اللغة الرسمية"،"مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع". أشارت إلي أنه دائما ما يقفز الحوار إلى الفقرة الثالثة مباشرة. وأكدت أن المحكمة الدستورية العليا طوال تاريخيها الممتد عبر 30 عاما ، لم تكتف فقط بنص القانون وإنما وضعت ما يسمى بتخوم النصوص . وهي في هذا تستند لحقائق عملية وعلمية تجعل من نصوص الدستور أحد روافد الطمأنينة لإمكانية أن تستقر في التطبيق .ولفتت إلى أن الشعب المصري لم يجد من يمنحه المعرفة القانونية ، وبالتالي فأي تطبيق هو المصداقية الوحيدة للنص. والي أن المحكمة الدستورية العليا تمارس الرقابة علي التطبيق ، وهو ما يجب أن يطبق في جميع المجالات في الحياة العملية بصفة عامة. وقد سردت الجبالي عدة ملاحظات هامة ، كان أولها: المناقشات التي جرت حول هذه المادة، عكست ما أصاب ثقافتنا السائدة من فوضى الدلالات المغلوطة،مشيرة إلى أن المناقشات حول هذه المادة تفيض باختلافات دلالية تسبب التباس في المصطلحات القانوني. فهناك فوارق كبيرة بين الشريعة والقانون، والمبادئ والأحكام ، مصدر القانون والقانون .وأضافت أن ما يحاصرنا من أزمات سياسية واقتصادية وثقافية ، انعكس علي حجم التشدد والتشنج ما أثر علي هدوء الحوار والمناقشات ، وأنتج العديد من الأفكار التي عكست صخب مناخ الحوار، وبالتالي لم تسمح بالوصول إلى نقاط محددة .وثالثاً: نحن نبدو كأمة بلا ذاكرة ، وأجد أننا نعود لقضايا قتلت بحثا وجدلا وتوصل المجتمع فيها إلى بعض المفاهيم، ثم وإذا بنا نعود مرة أخري وكأن شيئا لم يكن، وهو أمر يهدر مراحل النضال الوطني، وسنوات من الاجتهاد والمناقشات ، وفي تقديري هو استعادة لمراحل الانكسار والتراجع. وربما نحن في هذه الفترة نجد حواراتنا تقترب من البيزنطية .واستطردت قائلة" فلا دور مصر ، ولاقدرها وتاريخها يسمح بهذا الخراب الفكري ولا يمكن أن تكون مقدرات وطننا أسيرة لمثل هذا التخبط.واستعرضت المستشارة تهاني الجبالي فقرات النص الثلاثة بهوادة، وأوضحت أن قطبي الشعب المصري ليسوا من سيضع الإطار الضابط لهذا النص، ومن المعروف أن الدولة ككيان سياسي معنوي لا يمكن أن يدين بدين ما ، إلا أن الواقع هو أن الدولة تتخذ من دين الأغلبية دينا لها . وبلا شك فالأغلبية تصبغ الدولة بهذا الطابع الديني . وقالت" نحن نحتاج أن ننظر إلي الإسلام من منظور آخر، لأن تأثير الإسلام علي نظم الحكم قديما وحديثاً لم يكن تأثيرا يتعلق بالسلطة الدينية، فهي غير موجودة علي الإطلاق في مفاهيم الدين الإسلامي الحنيف، ولا يمكن أن تكون هناك سلطة دينية لفرد أو مجموعة أو حاكم وكل من تدثر بعباءة الإسلام لتبرير مرحلة من التاريخ لم يكن ليستمر ويدوم ، ويبقي الإسلام حجة عليه وليس هو حجة علي الإسلام.وأكدت أن الإسلام لا يجيز المساس بالحرية الدينية في المجتمع، وهذا يوجب علي سلطات الدولة أن تتيح للمواطنين التمتع بحريتهم الدينية . فالإسلام الحضاري .. الذي يتجاوز الطقوس هو ضابط دستوري يقدم مفاتيح إدارة الدولة الحديثة بما يساعد علي التقارب .وألمحت أن تاريخنا ملئ بالومضات الجليلة ، التي تسمح بالانفتاح علي تجارب الآخرين ، بما لا ينتهك حرمة خصوصيتنا الثقافية وهذه هي روح الإسلام الحضاري - بحسب الجبالي - التي تحترم الاختلاف والتي خلقت جوا من الثراء الفكري .ثم أوضحت المستشارة أن "الإسلام الحضاري" ليس دولة دينية ، وهو في منهجه الصحيح لا يسمح باحتكار فرد أو فئة أو مؤسسة للسلطة ، وما هو غير ذلك فهو مخالف. وعللت ذلك بان التاريخ قد رد علي محاولات التدثر بعباءة الإسلام ، فلم يستمر التوظيف السياسي للدين ولم يحمي ذلك الخلافة أو الولاية.واستكملت حديثها المستنير مشيرة إلى أن " الإسلام دين الدولة" تعني أننا قادرين علي إدارة دولة حديثة، وهو يرتبط بقضية غاية في الخطورة وهي قضية فكر الولاية، فالولاية العامة للسطلة التنفيذية والتشريعية وغيرها من سلطات الدولة، ولا معصومية لأحد. فالدولة هنا تدار وفقا لمفاهيم الإسلام الحضاري ، فلا ضرورة لأن نسأل علماء الأزهر والمجمع الإسلامي وغيرها من المؤسسات والهيئات الدينية، فالدولة بالكامل هي طرف شريك في إدارة شئون المواطنين ، ولا مجال لسيطرة أحد.فالولاية لسلطات وليست لأفراد. أما بخصوص الفقرة الثانية والتي تنص علي أن " اللغة العربية اللغة الرسمية "، فقالت: أن اللغة هي وعاء الثقافة لدي كل شعب في كل وطن، ولغتنا هي التي تشكل عقلنا الجمعي والمنظومة الثقافية . أين هي الآن؟!. لاشك أن الواقع يعكس انتهاك صارخ في الحق الدستوري للغتنا العربية ، وذلك لانقصد به إهمال اللغات الأخرى والانفتاح عليها، كذلك لا يجيز انتزاع العربية وتشويهها وإضاعتها كما يحدث في بعض الدوائر التعليمية في مصر. وعلينا مواجهة محاولات اختراق اللغة، فنحن بحاجة لرد الاعتبار. وقد وجهت الجبالي دعوة لإنقاذ اللغة العربية، مفادها أن الالتزام الرسمي باللغة العربية يعني أن تكون اللغة العربية هي اللغة التي تستخدم في جميع المحافل الدولية التي نستضيفها علي أرضنا ، وكذلك هي اللغة التي نتعامل بها في الاجتماعات والمؤتمرات الدولية ، وهذا هو حقها الدستوري. فهي اللغة الثالثة في العالم – من حيث الاستخدام علي نطاق واسع- وعلينا مواجهة تجاهلها في المحافل الدولية ، والذي نتج عن التفريط في استخدامها مما أدي إلى إلغاء العربية من دوائر الترجمة في بعض الهيئات والمنظمات الدولية. وحول الفقرة الثالثة والتي تثير السجالات والبلبلة في مصر، وهي "مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع"، قالت الجبالي إن هذه الفقرة تستدعي من الجميع نظرة تاريخية وعندها سيبدو جليا أن الشريعة الإسلامية مصدر للتشريع ، أمر غير مستحدث . فمنذ أربعينات القرن الماضي كانت هي المصدر الرئيسي للتشريع الي جانب المصادر الأخرى، وكان هناك انفتاح ايجابي علي مجمل الفقه الإسلامي ،فضلا عن القوانين الوضعية الأخرى كالفرنسية وغيرها.واستدلت علي ذلك بان المشرع المصري قد أخذ من الفقه الشيعي " الوصية الواجبة"، ولم يتهمه أحد بأنه تجاوز حدود الأمة ،موضحة بأن المشرع المصري منفتح علي كل الأئمة والآراء ، ولو ظل الوضع كذلك لما عانينا مما آل إليه واقعنا الثقافي .وأوضحت أن النص القانوني تعرض للتعديل سنة 80 ، وخلال 27 سنة من التطبيق، كان هناك محددات وأطر هامة ، لابد أن ننتبه إليها جيدا ، ألا وهي قيمتها،مضيفة أن"المشرع أورد تعبير مبادئ الشريعة ولم يورد أحكام الشريعة. ومعني ذلك أن المبادئ تمثل المقاصد العليا وهنا الأحكام تخضع للاختلاف الفقهي في ارتباطها بمناهج التغيير. ولايوجد حجة مطلقة للأحكام التشريعية . فالمبادئ لا تعني الأحكام لأننا قد نختلف عليها ، وهي تتيح النقاش حولها ومتروكة للمشرع وللظروف الملازمة لها، وهي بهذا المعني تعتبر المبادئ القانونية العامة التي تحكم النظام القانوني بصفة عامة ، ولا جزاء علي عدم الأخذ بهذا الحكم أو ذاك؛ لأن تطبيق المبادئ هو جزء من تطبيق المبادئ العليا، وهي لا تصلح للتطبيق المباشر".وأضافت :أن المبادئ التشريعية بها " جوامع الكلم"، فمثلا شكل العقد يحكم قانون حدوثه ، أو أن الغش يفسد كل شئ. وهي معان لا تطبق كقاعدة قانونية ، ولكن المشرع قد استلهمها لتبطل عقد ما ، مستندا علي أنه لا ضرر ولا ضرار، وهي نظرية كاملة ، سبقها اجتهاد تشريعي واسع يستدعي المصلحة وإعمال سلطة الدولة للتطبيق المناسب، وهو يستدعي أحكام تتصل ببعض العقوبات في الإسلام والتي تخدم الصالح العام في المجتمع. وصرحت الجبالي بأن المحكمة الدستورية العليا قد أقرت مبدأ علي درجة عالية من الأهمية، وهو جواز الاجتهاد في المبادئ الإختلافية، وقد أقامت حق الاجتهاد لولي الأمر، وهو الدولة. وأفادت بأنه من الواجب علي المشرع أن يربط هذه الاجتهادات بمصالح الناس، فأينما وجدت المصلحة يتم شرع الله، ويصبح حق المشرع في الاختيار عند التيسير. وبرهنت علي ذلك بأن الرسول صلي الله عليه وسلم، لم يكن يأذن بالتعسير، ولذا علينا أن ننحي من يعسر في القضاء.كما أشارت إلى أن المحكمة الدستورية أقرت أيضاً، احترام الأحكام الخاصة بغير المسلمين ولوائحهم الخاصة واعتبرت أن امتداد المعايير واللوائح هو محاولة لتحقيق المساواة أمام القانون لأبناء الوطن الواحد.واستدلت علي ذلك ، بأن الحكم في غيبة الزوج في لائحة الاقباط الأرثوزوكس ، يمتد إلى 90 سنة، وقد أقر المشرع المصري للمسلمين - وفقا للظروف الحالية من التقدم التكنولوجي في وسائل الاتصالات - بأنه لا يزيد عن سنة، وقد انتهي بنفس المبدأ للأقباط الأرثوزوكس.وأقرت الجبالي بأن هناك مبدأ هام في الإطار الدستوري أن استنباط الأحكام من المبادئ لا تعني بالأخذ وجوباً من أحكام الشريعة الإسلامية فقط دون غيرها، ولا يمنع من أرباح الرأي الراجح، ويبقي الرأي المرجوح لا يمثل خطأ شرعياً، ولكنه بم يحظي بالأغلبية في هذا الزمن.وأشارت أيضا إلى أن هناك جانب هام في الإطار الدستوري للتطبيق، لأن المحكمة الدستورية العليا تحاكمه في إطار ما استهدفته من مصلحة هذه الملائمة للمشرع. وخلصت إلى أن هذا النص الخاص بالمادة الثانية من الدستور المصري، في إطاره للتطبيق له إطار دستوري محدد، وليس بهذا الشكل من العبثية التي وردت في الأحاديث التي تناولته بالنقد . ولا شك بان أي إطار دستوري إنما و رهن بالأوضاع التي يطبق فيها والبنيان الوطني للخاضعين له. وأكدت أننا بحاجة إلى حماية هذا الإطار الدستوري وان نستقي منه ما يرد الجائر عن جوره . وفي الختام عقب د. محمد رفعت علي تحليل المستشارة تهاني الجبالي لهذه المادة، قائلا" أن القضاء هو حامي المواطنين ، وجميع أجهزة الدولة بما فيها المحكمة الدستورية العليا ، ذات حس قضائي وطني ، والقاضي فيها يحركه الضمير الوطني فوق كل شئ. وأكد أننا ليست لدينا رجعية دينية ، ولكننا لا نختلف في مسألة العقائد الأساسية ، ونحن نتعايش مع رحابة المرجعيات الدينية التي نتميز بها دونا عن غيرنا". وقد توجت الندوة بعدد من مداخلات الحاضرين تعقيبا علي ما سردته المستشارة تهاني الجبالي أول قاضية مصرية . وجدير بالتنويه أن المادة الثانية من الدستور المصري تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، وهذه المادة تشكل نقطة ارتكاز هامة للكثير من التحركات الإسلامية والاجتماعية، وقد استند إليها الكثيرون في الطعن بعدم دستورية عدد من القوانين على أساس مخالفتها للشريعة الإسلامية، وكذا استند إليها الدفاع في الكثير من القضايا المرتبطة بالتيار الإسلامي، على أساس أن ما يطالب به هؤلاء هو نوع من الدعوة لتطبيق الدستور. وقد تجدد الحديث عن تلك المادة بمناسبة الحديث عن تعديل الدستور الذي بدء قبل انتخابات رئاسة الجمهورية عام 2005، ثم تصاعد الحديث عنها بعد تقديم الحكومة لعدد من مشروعات القوانين الخاصة بتبديل مواد بالدستور تتصل بالإشراف القضائي، وشروط الترشيح للرئاسة وطريقة الانتخابات وإلغاء منصب المدعي الاشتراكي وغيرها.
