فيما يراه مراقبون انكشافاً للتناقض بين خطابها الإعلامي وأجندتها الحقيقية
القاهرة / 14 أكتوبر / خالد عبدالسلام :أثار البرنامج السياسي الذي أعلنته جماعة الإخوان المسلمين في مصرَ قلقاً شديداً وانتقاداً واسعاً داخل الأوساط السياسية والاجتماعية المصرية بشكل عام، وانقساماً داخل الإخوان المسلمين بشكل خاص.وعلى النقيض من الخطاب الإعلامي الذي يسوقه تنظيم الإخوان المسلمين بهدف مغازلة الحكومات الأمريكية والأوروبية، وتوسيع نطاق تحالفاته السياسية مع الأحزاب المعارضة، وتوظيف هذه التحالفات لإضعاف الحزب الحاكم في مصرَ وكسب أصوات الناخبين والوصول إلى السلطة، كشف البرنامج السياسي الذي أعلنه مكتب الإرشاد وهو أعلى هيئة قيادية للإخوان المسلمين عن أجندة سياسية شمولية لبناء دولة دينية يحكمها رجال الدين الذين أعطاهم البرنامج وضعاً فوق الدستور وهيئات الدولة على غرار ما كان يتمتع به رجال الأكليروس المسيحي في أوروبا قبل الثورات الديمقراطية التي أطاحت بالدولة الدينية في مختلف أنحاء أوروبا والعالم، ثم أقامت على أنقاضها أنظمة جمهورية أو ملكية دستورية يكون الشعب فيها مصدر الشرعية ومالك الحكم عبر انتخابات حرة ومباشرة يختار فيها المواطنون حكامهم بكل حرية وشفافية على قاعدة التعددية السياسية والتنافس الحر والمواطنة المتساوية أمام الدستور والقوانين.واللافت للانتباه أنّ برنامج الإخوان المسلمين أثار انتقاداً واسعاً من قبل مختلف القوى السياسية المصرية سواء في السلطة أو المعارضة التي أجمعت على رفض العديد من القضايا والمحاور الأساسية لبرنامج الإخوان المسلمين، مثل عدم الاعتراف بحقوق النساء والأقلية المسيحية في تولي وظائف الولاية العامة والقضاء والبرلمان والجيش والأمن والشرطة. كما كشف البرنامج عزم الإخوان المسلمين في حال وصولهم إلى الحكم على تشكيل هيئة من رجال الدين تختص بالنظر في جميع القضايا والسياسات والقوانين المطروحة على الحكومة والبرلمان قبل وبعد مناقشتها وإقرارها، وفرض رسوم معينة على الأقلية المسيحية مقابل إعفائهم من الخدمة العسكرية، في إشارة إلى إعادة العمل بنظام الجزية التي لم يعد معمولاً بها منذ ظهور الدولة الوطنية في العصر الحديث على أنقاض الدولة الدينية.وفيما يرى مراقبون سياسيون أنّ برنامج الإخوان المسلمين الذي يتناقض مع خطابهم الإعلامي في إطار تحالفات الإخوان ونشاطهم المشترك مع قوى المعارضة العلمانية والقومية والليبرالية، يكشف النقاب عن الأجندة الشمولية لتنظيم الإخوان المسلمين باتجاه بناء دولة دينية كهنوتية ومعادية للحقوق والحريات المدنية للمواطنين والمواطنات، انفرد القيادي الإخواني البارز الدكتور عصام العريان بتوجيه انتقادات علنية لبرنامج الإخوان المسلمين، مشيراً إلى ((أنّ الجماعة تسرعت في طرحه وكان ينبغي لها التريث قليلاً واختيار الوقت المناسب لإعلانه)) بحسب قوله الذي يراه مراقبون سياسيون بأنّه اعتراض على التوقيت فقط وليس على مضمون البرنامج.ولم يكتفِ القيادي الإخواني عصام العريان بتطمين قوى المعارضة المصرية التي سادها قلق عميق إزاء ما ينطوي عليه هذا البرنامج من تهديد للديمقراطية ومصادرة للحقوق والحريات المدنية وانتهاك لمبادئ المساواة في حقوق وواجبات المواطنة في مصرَ، بل أنّه حاول أيضاً تطمين الولايات المتحدة الأمريكية التي فتحت خطوط اتصال مع بعض ممن يوصفون بالمعتدلين داخل حركة الإخوان المسلمين بهدف استيعابهم ودمجهم في برامج نشر الديمقراطية التي تمولها الحكومة الأمريكية وحكومات الاتحاد الأوروبي من خلال منظمات أمريكية وأوروبية غير حكومية.وحرص عصام العريان على التأكيد بأنّ الإخوان المسلمين لن يعلنوا الحرب على إسرائيل، وسيحترمون المعاهدات التي أبرمتها الحكومة المصرية معها في عهد الرئيس الراحل أنور السادات باعتبارها أمراً واقعاً، لكن تعاملهم مع الواقع سيكون لمصلحة الإسلام والمسلمين بحسب تعبيره!!وتعقيباً على رفض القوى السياسية المتحالفة مع الإخوان المسلمين في إطار حركة المعارضة المصرية إعطاء رجال الدين وضعاً فوق الدستور وهيئات الدولة يقررون فيه ما يجوز وما لا يجوز مناقشته وإقراره من قوانين وسياسات وإجراءات، قال الدكتور عصام العريان "إنّ دور علماء الدين يجب أن يكون محدداً مثلهم في ذلك مثل بقية المواطنين والنخب العلمية المتخصصة مثل علماء الذرة والاقتصاد والعمران والطب والفيزياء، والبيولوجيا والهندسة الوراثية"، مشدداً على أنّه لا يجب إعطاء " علماء الدين" وضعاً متميزاً فوق الدستور لأنّ ذلك يعني الكهانة التي يرفضها الإسلام"!!وطالب العريان بإعادة صياغة الأفكار الواردة في برنامج المسلمين بشأن مكانة رجال الدين بما يمنع تحويلهم إلى جماعة كهنوتية تودي دوراً ملتبساً بفكرة التفويض الإلهي التي شاعت في أوروبا أثناء هيمنة الأكليروس المسيحي على الدولة، مشيراً إلى إمكان دمج هذه القضية بالفصل الذي تناول دور المؤسسات والجمعيات الدينية وتطوير الأزهر.من جانبه رفض الشيخ مهدي عاكف المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين تصريحات القيادي الإخواني البارز الدكتور عصام العريان، واعتبرها بأنّها تعبر عن رأيه الشخصي ولا تعبر عن رأي وموقف الإخوان المسلمين. في إشارة إلى احتمال حدوث خلافات وانقسامات داخل تنظيم الإخوان المسلمين الذي يقوم على قواعد الطاعة وعدم الخروج عن الجماعة، ولا يعترف بتعدد الآراء في داخله.
