المقدمة: انسداد الأفق التشريعي والبديل الواقعي لإدارة الدولة
تواجه الدولة اليمنية في لحظتها الراهنة تحدياً بنيوياً هائلاً يتمثل في التآكل المستمر لكفاءة الجهاز الإداري، وتصاعد الاختلالات الإدارية والمالية نتيجة لصراع محتدم على الصلاحيات والموارد المادية والمالية؛ وهي آليات لم تعد تتوافق بالمطلق مع معطيات الواقع المتغير. لقد أدى هذا التداخل الحاد في الصلاحيات وضبابية آليات التعامل المتبادل بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية إلى شلل شبه كامل في تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين وتجميد جهود التنمية المستدامة.
وفي غمرة البحث عن مخارج، يبرز التوجه نحو صياغة تشريعات دستورية وقوانين جديدة تماماً كخيار مثالي، إلا أن القراءة الموضوعية للواقع المعقد تؤكد أن سن تشريعات جذرية جديدة أو تعديل الدستور يعد أمراً غير ممكن في الظروف الراهنة التي تمر بها البلاد. إن غياب البيئة التشريعية المستقرة يضع صانع القرار أمام حتمية البحث عن حلول مبتكرة من داخل المنظومة القانونية النافذة. بناءً على ذلك، لا يوجد أي بديل في الوقت الراهن سوى الارتكاز على القوانين الحالية وتفعيلها بمرونة؛ ومن هنا تنبع عبقرية الرؤية الاستراتيجية التي قدمها «مؤتمر الشراكة والتكامل بين الحكومة والسلطات المحلية» المنعقد في عدن (14-16 يونيو 2026م)، والتي تمثل حلاً عملياً مرحلياً يوازن بين الحفاظ على كيان الدولة وتمكين المجتمعات المحلية.
أولاً: المرجعية الثلاثية للرؤية الاستراتيجية للحل
تعتمد الرؤية المطروحة على ثلاثة محاور رئيسية تتكامل فيما بينها لتشكيل إطار قانوني وإداري انتقالي متماسك:
تنفيذ المحددات الدستورية: الاستناد إلى المبادئ الدستورية التي تؤكد على اللامركزية الإدارية والمالية كأصل لتقديم الخدمات وتحقيق التنمية.
التفعيل الكامل والمنضبط لقانون السلطة المحلية الحالي: استغلال كافة الصلاحيات المتاحة قانوناً والتي ظلت معطلة أو غير مفعّلة لسنوات، لانتزاع أكبر قدر من تمكين المحافظات دون انتظار تشريعات جديدة.
تأسيس «الهيئة الوطنية المشتركة»: كإطار تنظيمي مرن ومؤقت يقود المرحلة الانتقالية حتى تتهيأ الظروف السياسية والتشريعية لإقرار وتنفيذ قانون جديد للسلطات المحلية كاملة الصلاحيات.
ثانياً: تشكيل الهيئة الوطنية المشتركة ومهامها في تنظيم العلاقة
تُمثل الهيئة الوطنية المرجعية السيادية والإدارية العليا لإدارة خطة التحول. ولضمان أعلى مستوى من الجدية والالتزام السياسي، يتم تشكيل هذه الهيئة الوطنية برئاسة رئيس مجلس الوزراء، وتضم في عضويتها خمس وزارات رئيسية وثلاث محافظات.
وتتلخص مهام الهيئة التفصيلية في الآتي:
تنظيم وتفويض الاختصاصات المركزية: حصر المهام والموارد المالية والإدارية التي تقع قانوناً ضمن اختصاص الوزارات والأجهزة المركزية، وصياغة آليات تفويضها للسلطات المحلية بناءً على جهوزية كل محافظة.
تحديد ونقل الموارد المالية: الإشراف المباشر على نقل حصص المحافظات من الإيرادات المركزية والمشتركة وضمان تدفقها بسلاسة لدعم الموازنات المحلية.
الرقابة والإشراف المباشر والمستمر: متابعة وتقييم أداء السلطات المحلية في تنفيذ المهام المفوضة إليها من قبل السلطة المركزية، ومراقبة مستوى استغلال تلك الصلاحيات والمهام لضمان توجيهها بكفاءة نحو خدمة المواطنين.
الفصل في منازعات الاختصاص: العمل كجهة مرجعية ملزمة لفض التداخلات والنزاعات القانونية والإدارية البينية بين الوزراء والمحافظين.
الحوكمة والمساءلة: إرساء قواعد الشفافية ونظم مكافحة الفساد المالي والإداري على المستوى المحلي.
ثالثاً: معالجة شحة الإمكانيات عبر الاستقلال الاقتصادي المحلي
نظراً لشحة إمكانيات الحكومة المركزية وعجزها المالي عن التغطية الكاملة للمهام والخدمات التي ستفوض للسلطات المحلية (خاصة في القطاعات الخدمية والاقتصادية الحيوية)، فإن الرؤية الاستراتيجية تقر بضرورة منح السلطات المحلية صلاحيات أوسع وأكثر مرونة لتغطية هذا العجز الاعتمادي من خلال:
تنمية واستغلال الموارد المحلية: منح المحافظات الحق الكامل في تطوير أوعيتها الإيرادية المحلية والذاتية واستغلالها بشكل مباشر لدعم الاقتصاد المحلي.
الاستثمار والشراكة مع القطاع الخاص: تمكين السلطات المحلية من إبرام شراكات وعمل اتفاقيات استثمارية وتنموية مع القطاع الخاص المحلي والدولى لبناء البنى التحتية وتدوير عجلة التنمية.
الضوابط المركزية: تُمارس هذه الصلاحيات الاستثمارية والشراكات وفقاً لضوابط وسياسات عامة تقرها وتعتمدها الحكومة المركزية لضمان التناسق الوطني وحماية أصول الدولة ومصالحها العليا.
رابعاً: بناء القدرات كركيزة أساسية لانتقال الصلاحيات والمسؤوليات الجديدة
إن التحول نحو اللامركزية الموجهة وتفويض الصلاحيات لا يمكن أن يحقق أهدافه بمجرد إصدار القرارات الفوقية؛ بل يتطلب ذلك ثورة في كفاءة الكادر البشري والمؤسسي. من هنا، تبرز الأهمية القصوى لبناء قدرات الحكومة المركزية والسلطات المحلية على حد سواء في هذه المرحلة الحرجة، لتمكين كل طرف من القيام بمسؤولياته ومهامه الجديدة والجسيمة بكفاءة واقتدار.
فالحكومة المركزية تحتاج إلى إعادة تأهيل كوادرها للتحول من عقلية «الإدارة المباشرة والتنفيذ الفوقي» إلى عقلية «رسم السياسات، التخطيط الاستراتيجي، والرقابة الفنية». وفي المقابل، تحتاج السلطات المحلية إلى بناء قدرات حقيقية في مجالات التخطيط التنموي المحلي، إدارة الموازنات، تنمية الموارد، وحوكمة الشراكات مع القطاع الخاص.
ولضمان جدية هذه المسار، تتولى الهيئة الوطنية المشتركة الإشراف المباشر على برامج تأهيل وحوكمة الوزارات ومؤسساتها، بالتوازي مع تأهيل وحوكمة السلطات المحلية. ولن يكون التدريب مجرد ورش عمل عابرة، بل مساراً إلزامياً ومحوكماً يربط بين رفع كفاءة المؤسسة ومستوى الصلاحيات والموارد المالية الممنوحة لها تدرجاً.
خامساً: المكتب الفني: عصب الهيئة والذراع المعرفي والتنفيذي
لكي تتمكن الهيئة الوطنية من القيام بمهامها الجسيمة والرقابة على برامج التأهيل بعيداً عن البيروقراطية، يُسند إليها مكتب فني متكامل يضم نخبة من الكفاءات الوطنية، مع إمكانية الاستئناس بالخبرات والاستشارات الدولية (مثل البنك الدولي ومؤسسات الحوكمة الدولية) لتقديم الدعم الفني والمؤسسي.
وتتلخص أدوار المكتب الفني في:
- إعداد الخطط و الأدلة الإجرائية ومصفوفات نقل الصلاحيات والموارد.
- صياغة ومتابعة تنفيذ برامج بناء القدرات والتأهيل المؤسسي للوزارات والمحليات.
- تصميم مؤشرات الأداء (KPIs) لقياس كفاءة السلطات المحلية في إدارة الملفات المفوضة ومدى نجاح التحول الرقمي والحوكمة.
- بناء مصفوفات تقييم المخاطر الإدارية والمالية ووضع حلول استباقية لها.
- اعداد والاشراف على برامج التأهيل والبناء المؤسسي وتطبيق مبادئ الحوكمة على المستوى المركزي والمحلي.
سادساً: خارطة الطريق التنفيذية (من التأسيس إلى التطبيق)
تتحرك الرؤية عبر خطوتين متتاليتين ومدرروستين هندسياً لضمان الانتقال السلس دون إحداث فجوات إدارية:
الخطوة الأولى: التأسيس والجهوزية (بناء المحرك التنفيذي) ...(3 اشهر )
تبدأ العملية فوراً بتأسيس اللجنة الوطنية و المكتب الفني وتجهيز خططه الكاملة والهياكل الإجرائية والتنفيذية ليكون جاهزاً بالكامل لإدارة وحوكمة المرحلة الانتقالية. يُعد المكتب الفني في هذه الخطوة الدراسات اللازمة، ويطلق الإطار العام لبرامج بناء القدرات وتأهيل الوزارات والمحافظات، ويضع التصورات المالية والضوابط الاستثمارية. لا يتم تفعيل نقل أي صلاحيات في هذه الخطوة حتى يكون المكتب واللجنة بكامل الجهوزية الفنية.
الخطوة الثانية: تفعيل وتطبيق قانون السلطة المحلية
بمجرد جهوزية اللجنة الوطنية ومكتبها الفني، يتم إطلاق الخطوة الثانية المتمثلة في التفعيل الشامل والصارم لقانون السلطة المحلية الحالي، والبدء الفوري في تطبيق نقل المهام والصلاحيات الكاملة بموجب القانون من الوزارات إلى المحافظات تحت الإشراف والرقابة المباشرة والمستمرة من الهيئة الوطنية المشتركة والمكتب الفني التابع لها.
سابعاً: مصفوفة المهام والأنشطة لكل طرف في منظومة الحوكمة
لضمان انسيابية العمل، تم تحديد المسؤوليات التنفيذية بدقة لكل طرف على النحو التالي:
الطرف الأول: السلطات المركزية (الحكومة والوزارات)
المهام الاستراتيجية والتنفيذية:
- إقرار السياسات العامة والضوابط الحاكمة لاستثمار الموارد المحلية والشراكة مع القطاع الخاص.
- حصر التمويلات والمشاريع المركزية وتصنيف ما يمكن تفويضه قطاعياً.
- الانخراط في برامج إعادة الهيكلة والتأهيل للتحول نحو الأدوار السيادية والتخطيطية.
أنشطة الحوكمة والرقابة وبناء القدرات:
- التزام الوزارات بمسار الحوكمة والتأهيل المشرف عليه من الهيئة الوطنية.
- مراقبة مدى التزام الفروع المحلية بالسياسات العامة للدولة والخطوط العريضة للاتفاقيات الاستثمارية.
- المراجعة الدورية لتقارير الأداء المرفوعة من المحليات.
الطرف الثاني: الهيئة الوطنية (برئاسة رئيس الوزراء) والمكتب الفني
المهام الاستراتيجية والتنفيذية:
- صياغة جداول نقل الصلاحيات الإدارية والمالية وجدولتها زمنياً.
- تصميم والإشراف المباشر على برامج تأهيل وحوكمة الوزارات ومؤسساتها والسلطات المحلية.
- توفير الاستشارات الدولية وبناء قدرات الكوادر المحلية لإدارة الاقتصاد المحلي.
أنشطة الحوكمة والرقابة وبناء القدرات:
- الإشراف المباشر والمستمر على كفاءة السلطات المحلية في استغلال المهام الموكلة إليها.
- ربط مستوى تفويض الصلاحيات بمدى اجتياز المؤسسات لبرامج الحوكمة والتأهيل.
- إدارة نظام فض النزاعات الإدارية والمالية بمرجعية قانونية ملزمة.
الطرف الثالث: السلطات المحلية (المحافظات)
المهام الاستراتيجية والتنفيذية:
- إدارة ومواجهة التحديات الخدمية والاقتصادية محلياً عبر الموارد المفوضة.
- استيعاب برامج بناء القدرات المكثفة لتأهيل الكادر القيادي والتنفيذي بالمحافظة.
- تنمية الأوعية الإيرادية الذاتية وبناء شراكات تعاقدية واستثمارية مع القطاع الخاص وفق السياسات المقرة مركزياً.
أنشطة الحوكمة والرقابة وبناء القدرات:
- الالتزام الصارم بمعايير الإفصاح المالي والشفافية وحوكمة العقود الاستثمارية.
- تفعيل أجهزة الرقابة الداخلية والمحاسبة المحلية.
- رفع تقارير أداء ومستوى استغلال دورية شفافة للهيئة الوطنية المشتركة.
خاتمة ودعوة للنقاش الوطني: هل من بديل؟
تُمثل هذه الرؤية الاستراتيجية بمساراتها المرحلية والعملية طوق نجاة لإعادة الروح إلى جسد الإدارة العامة للدولة، وتجاوز حالة الانسداد التشريعي الحالي عبر استثمار النص القانوني النافذ وتطوير آليات تطبيقه. إن التركيز على بناء القدرات وحوكمة الأجهزة المركزية والمحلية تحت مظلة هيئة وطنية عليا يضمن نقلة آمنة ومدروسة نحو لامركزية تنموية حقيقية ومستدامة.
ومع ذلك، فإن نجاح الاستراتيجيات الكبرى يرتكز دائماً على التوافق والتطوير المستمر. ومن هنا، يظل الباب مفتوحاً أمام العقول السياسية والإدارية والاقتصادية؛ فمن لديه رؤية مغايرة، أو حل بديل وقابل للتطبيق يضمن معالجة جذرية وحاسمة لمشكلة العلاقة المعقدة بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية في ظل الظروف الاستثنائية والمالية الراهنة، فليتقدم به إثراءً للمصلحة الوطنية العليا.
وزير الإدارة المحلية *
