في القضايا الخدمية الكبرى، لا ينبغي أن تبنى الأحكام على الانطباعات أو تبادل الاتهامات، بل على الوثائق والحقائق الفنية. وبعد الاطلاع على التقارير الفنية، والخطابات الرسمية، والبيانات الصادرة عن شركة انتراكس الشرق الأوسط بشأن محطة كهرباء حريب، تتشكل أمامنا صورة تستحق الوقوف عندها بعقلانية ومسؤولية، بعيداً عن الاصطفاف مع أي طرف.
تكشف الوثائق أن الأزمة التي تعيشها كهرباء حريب ليست أزمة محطة توليد فقط، كما أنها ليست مجرد خلاف مالي بين الشركة المشغلة والمؤسسة العامة للكهرباء، بل هي أزمة متشابكة تجمع بين الجوانب الفنية والإدارية والمالية، تراكمت على مدى سنوات حتى انعكست بصورة مباشرة على المواطن الذي يدفع ثمن الانقطاعات وتذبذب الخدمة.
ومن أبرز ما يلفت الانتباه في التقرير الفني أن اللجنة المكلفة من الشركة لم ترجع السبب الرئيس لتراجع الخدمة إلى المولدات، بل ركزت على ما وصفته بالاختلالات الكبيرة في شبكات النقل والتوزيع، والتي شملت تهالك الخطوط، وعدم استقرار الجهد الكهربائي، واحتراق المحولات، وتعطل منظومة الحماية، إلى جانب وجود ملاحظات تتعلق بسلامة الشبكة قد تشكل خطراً على المواطنين إذا ثبتت صحتها.
وفي المقابل، تؤكد الشركة أنها واصلت تشغيل المحطة حتى بعد انتهاء العقد، رغم تراكم مستحقاتها المالية لعدة سنوات، وهو ما ترى أنه أثر على قدرتها على الاستمرار في تحمل الأعباء التشغيلية والفنية. كما تشير إلى أنها خاطبت المؤسسة العامة للكهرباء مراراً، وقدمت مقترحات ولجاناً مشتركة لمعالجة الإشكالات، إلا أن تلك الجهود - بحسب روايتها - لم تصل إلى نتائج عملية.
ومن الملاحظات التي تستحق التوقف عندها أيضاً أن الشركة، ورغم إعلانها عن نيتها نقل معداتها من المحطة بسبب تعذر الاستمرار في تحمل الأعباء المالية، لم تغلق باب الحلول. فقد أعلنت في بيانها أنها مستعدة للإبقاء على معدات المحطة في موقعها وعدم نقلها، إذا تولت المؤسسة العامة للكهرباء (منطقة مأرب) تشغيل وإدارة المحطة، مع تحملها تكاليف التشغيل والصيانة، إلى حين إيجاد بديل مناسب يضمن استمرار الخدمة. وتمثل هذه المبادرة، إذا وجدت قبولاً وتنسيقاً بين الطرفين، فرصة لتجنيب أبناء مديريتي حريب وعين وبعض عزل العبدية أي انقطاع كامل للكهرباء، وهو موقف يستحق الدراسة والتعامل معه بما يخدم المصلحة العامة.
ورغم أن هذه الوثائق تبدو مترابطة ومنسجمة فيما بينها، إلا أنها تمثل رواية أحد أطراف القضية، وهو ما يفرض قدراً من الحياد والموضوعية. فمن الإنصاف ألا يُبنى حكم نهائي على رواية طرف واحد، في ظل غياب رد فني وقانوني مفصل من المؤسسة العامة للكهرباء يوضح موقفها من هذه الاتهامات، ويبين أسباب تأخر المستحقات، أو يرد على الملاحظات الفنية الواردة في التقرير.
ومع ذلك، فإن ما ورد في هذه الوثائق لا ينبغي التقليل من أهميته، خاصة فيما يتعلق بسلامة الشبكة الكهربائية. فالإشارة إلى تعطيل منظومة الحماية، أو انخفاض خطوط الضغط العالي، أو تهالك أجزاء من الشبكة، هي أمور تستوجب تدخلاً عاجلاً من الجهات المختصة، لأنها تتعلق بحماية الأرواح قبل أن تتعلق بجودة الخدمة.
إن المتابع لهذه القضية يلاحظ أن المشكلة لا يمكن اختزالها في طرف واحد. فالمؤسسة العامة للكهرباء تتحمل مسؤولية إدارة وصيانة شبكات النقل والتوزيع، والشركة مسؤولة عن التزاماتها التعاقدية في تشغيل المحطة، والسلطة المحلية معنية بمتابعة الملف والضغط نحو حلول عملية، بينما تقع على وزارة الكهرباء مسؤولية الإشراف وضمان استمرار هذا المرفق الحيوي.
الخلاصة، أن الوثائق المتاحة تشير إلى أن أزمة كهرباء حريب ليست وليدة سبب واحد، بل هي نتيجة تراكمات فنية وإدارية ومالية أثرت على أداء المنظومة الكهربائية بأكملها. كما تكشف أن هناك مبادرات وحلولاً طُرحت لتفادي توقف الخدمة، من بينها استعداد الشركة للإبقاء على معدات المحطة وتشغيلها تحت إدارة المؤسسة العامة للكهرباء إذا توفرت المتطلبات اللازمة.
ومن هنا، فإن المصلحة العامة تقتضي أن يتعامل جميع الأطراف مع هذه المبادرات بجدية، وأن تقدم مصلحة المواطنين على أي خلافات تعاقدية أو إدارية. فالكهرباء ليست مجرد عقد بين طرفين، بل خدمة أساسية تمس حياة آلاف المواطنين، واستمرارها مسؤولية مشتركة تتطلب الحوار، والشفافية، واتخاذ قرارات عملية عاجلة قبل أن تتفاقم الأزمة ويكون المواطن هو الخاسر الوحيد.
