حين يدخل المحامي قاعة المحكمة، فإنه لا يدخلها بصفته خصماً للقضاء، ولا عدواً للنيابة، وإنما يدخلها بصفته رجل قانون، وعوناً للقضاء، وشريكاً في تحقيق العدالة، ومدافعاً عن حق كفله القانون لكل إنسان، وهو حق الدفاع.
المحامي هو صاحب رسالة قانونية ومهنة حرة ومستقلة، تتمثل مهمته في الدفاع عن الحقوق والحريات، وتمثيل المتقاضين أمام الجهات القضائية، وتقديم الدفوع والمرافعات، وشرح النصوص القانونية، ومساعدة القضاء في الوصول إلى الحقيقة وتطبيق القانون تطبيقاً سليماً.
فالمحامي لا يمثل نفسه عندما يقف أمام المحكمة، وإنما يمثل حقوق ومصالح موكله، ويقوم بواجبه المهني في حدود القانون.
ومن هنا فإن المحامي ليس مجرد مترافع، وإنما هو أحد عناصر منظومة العدالة.
وقد يختلف المحامي مع القاضي أو عضو النيابة في الرأي القانوني، أو يعترض على إجراء، أو يتمسك بدفع، أو يطلب تطبيق نص قانوني، وهذا كله من صميم عمله وواجبه المهني، ولا ينبغي أن يُفسر على أنه إساءة إلى القضاء أو انتقاص من هيبته.
فالقاضي يحكم وفقاً للقانون، والنيابة تمارس اختصاصاتها وفقاً للقانون، والمحامي يمارس حق الدفاع وفقاً للقانون.
وإذا كان القضاء هو ميزان العدالة، فإن المحاماة هي أحد الأركان التي تساعد هذا الميزان على الوصول إلى الحقيقة.
المحامي عون القضاء وشريك العدالة
إن احترام المحامي أثناء قيامه بواجبه المهني ليس مجاملة لشخصه، وإنما هو احترام لحق الدفاع واحترام لمنظومة العدالة بأكملها.
والقضاء القوي لا يخشى من محامٍ قوي، بل يحتاج إلى محامٍ يستطيع أن يعرض وجهة نظر موكله بكل حرية ومسؤولية، وأن يقدم الدفوع والطلبات، وأن يناقش الإجراءات والنصوص القانونية دون خوف.
فالاختلاف في الرأي القانوني لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة شخصية، وممارسة المحامي لحقه في الدفاع لا ينبغي أن تكون سبباً للتضييق عليه أو الانتقاص من كرامته.
الشكوى ضد المحامي والاختصاص
ومن المسائل المهمة التي يجب التوقف أمامها هي مسألة الشكاوى المقدمة ضد المحامين بسبب أعمالهم المهنية.
فالقانون والتعليمات المنظمة لعمل النيابة العامة لم تترك هذه المسألة دون تنظيم، وإنما وضعت لها إجراءات وجهات مختصة.
وقد نصت تعليمات النيابة العامة اليمنية في المادة (213) على أن نيابات استئناف المحافظات هي التي تقيد الشكاوى ضد المحامين المتعلقة بتصرفاتهم المهنية، وتتولى إجراءاتها، كما أوجبت على النيابة الابتدائية، إذا وردت إليها شكوى من هذا النوع، أن ترسلها فوراً إلى نيابة الاستئناف لاتخاذ الإجراءات اللازمة.
كما نصت المادة (216) على أن التحقيق المتعلق باتهام المحامي بارتكاب جريمة أو الإخلال بواجباته أو بشرف مهنته بسبب سلوكه في أعمال مهنته أو غيرها، يُرسل إلى المحامي العام لاستطلاع الرأي قبل التصرف فيه.
وهذه النصوص تؤكد أهمية الالتزام بالاختصاص والإجراءات التي رسمها القانون، لأن الاختصاص ليس مسألة شكلية، وإنما هو ضمانة أساسية لحماية الحقوق ومنع التعسف في استعمال السلطة.
ومن هنا، فإن أي شكوى ضد محامٍ يجب أن تسلك طريقها القانوني الصحيح، وأن تتولاها الجهة المختصة وفقاً للقانون، بعيداً عن الاجتهادات الشخصية أو الخصومات أو التأثيرات التي قد تمس استقلال مهنة المحاماة.
المحامي ليس فوق القانون.. ولكنه ليس خارج حماية القانون
الدفاع عن المحامي لا يعني أبداً القول بأنه فوق القانون.
فالمحامي، كغيره من المواطنين، يخضع للقانون، وإذا ارتكب مخالفة أو جريمة، فإن من حق الجهات المختصة اتخاذ الإجراءات القانونية بحقه.
لكن في المقابل، فإن خضوع المحامي للقانون يعني أيضاً حمايته بالقانون، وضمان عدم اتخاذ أي إجراء بحقه إلا من الجهة المختصة ووفق الإجراءات التي حددها القانون.
ولا ينبغي أن تتحول الشكوى إلى وسيلة للضغط على المحامي بسبب دفاعه عن موكله، أو بسبب اعتراضه على إجراء، أو بسبب تمسكه بنص قانوني.
فالمحامي الذي يخاف من ممارسة حق الدفاع لن يستطيع أن يؤدي رسالته كما يجب، والمتضرر في النهاية سيكون حق المتقاضي والعدالة نفسها.
لا عدالة بلا دفاع
إن العدالة لا تكتمل بصوت واحد.
القاضي له دوره، والنيابة لها دورها، والمحامي له دوره.
القاضي يفصل ويحكم، والنيابة تمارس اختصاصاتها القانونية، والمحامي يدافع عن حقوق موكله ويعرض أمام القضاء ما يراه من دفوع وأسانيد قانونية.
وهذه الأدوار المختلفة لا تعني وجود خصومة بين أطراف العدالة، بل تعني أن كل طرف يؤدي دوره لتحقيق غاية واحدة، وهي سيادة القانون وتحقيق العدالة.
ولهذا فإن احترام المحامي لا ينتقص من هيبة القضاء، كما أن احترام القضاء لا يعني تقييد المحامي أو منعه من أداء واجبه.
بل إن هيبة القضاء الحقيقية تقوم على سيادة القانون، وعلى احترام جميع أطراف العدالة لاختصاصات بعضهم البعض.
رسالة إلى الجميع
هذه الكلمات ليست ضد شخص أو جهة بعينها، ولا يقصد بها اتهام أحد أو التشهير بأحد.
إنها دعوة إلى احترام القانون والاختصاص، واحترام مهنة المحاماة، وحماية حق الدفاع.
فإذا كانت هناك شكوى ضد محامٍ، فليكن القانون هو الفيصل، ولتكن الجهة المختصة هي التي تتولى الإجراءات، وليُمنح كل طرف حقه في الدفاع والرد.
لا نريد محامياً فوق القانون، ولا نريد محامياً خارج حماية القانون.
نريد فقط أن يكون القانون فوق الجميع.
نريد أن يمارس القاضي اختصاصه باحترام، وأن تمارس النيابة اختصاصها باحترام، وأن يمارس المحامي مهنته باحترام واستقلال.
فالمحامي عندما يدافع عن موكله لا يعادي القضاء، وعندما يعترض على إجراء لا يهدم هيبة النيابة، وعندما يتمسك بالقانون لا يخرج عن النظام.
إنما يؤدي رسالته التي أقسم عليها، ويقوم بدوره الذي تحتاج إليه العدالة.
فاحترام المحامي هو احترام لحق الدفاع، واحترام حق الدفاع هو احترام للعدالة، واحترام العدالة هو احترام للقانون.
وفي دولة القانون، لا تكون القوة في تجاوز الاختصاص، وإنما تكون القوة في الالتزام به.
ولا تكون الهيبة في إسكات الآخر، وإنما تكون الهيبة في احترام القانون.
كل الاحترام والتقدير للقضاء والنيابة والمحامين، ولكل من يعمل من أجل إعلاء كلمة القانون وتحقيق العدالة.
