خرجت وزارة الكهرباء والطاقة ببيان مطول تبرر فيه “تسريب” مذكرة تعديل التعرفة، وتطمئن الناس بأن الاستهلاك المنزلي دون 1000 كيلووات/ساعة “خط أحمر” لن يقترب منه أحد. وتحدثت الوزارة كثيراً عن الإصلاحات الإدارية والمالية، وتقليص الفاقد، ومعالجة القراءات الصفرية، والتوافق مع البنك الدولي وشركاء التنمية. خطاب مرتب، ومصطلحات براقة، ووعود بتحسين الخدمة باعتبارها “أولوية حياتية”.
ولكن ما الذي يعنيه هذا الكلام على أرض الواقع؟ وما الذي ينتظر المواطن في فاتورة الشهر القادم؟
الحقيقة المرة التي تحاول الوزارة تجميلها هي أن من يتجاوز استهلاكه 1000 كيلووات/ساعة شهرياً سينتقل فجأة من سعر 19 ريالاً للكيلو إلى 700 ريال. نعم، 700 ريال بدلاً من 19 ريالاً. أي بزيادة قدرها 36 ضعفاً. 36 ضعفاً في بلد انهارت فيه العملة، وتوقفت فيه المرتبات، ويعيش الناس على المساعدات.
الوزارة تقول بثقة إن “الغالبية العظمى من المشتركين السكنيين لا يتجاوزون هذا الحد”. هذا كلام إحصائي بارد لا علاقة له بحياة الناس. أطلب من كل مواطن أن يفتح فواتيره في أشهر مايو إلى سبتمبر. مكيف واحد يعمل 12 ساعة، مع ثلاجة ومروحة وإضاءة، كافٍ لدفع أي أسرة متوسطة إلى ما فوق هذا “السقف الجهنمي”. بهذا القرار حولتم البيت الذي يريد أن يعيش بكرامة في عدن إلى “مستهلك ترفي” يجب معاقبته.
وتذهب الوزارة أبعد من ذلك فتتهم “التسريب” بأنه محاولة “سياسية فاشلة لعرقلة الإصلاحات”. سؤال بسيط: لماذا تُسرب هكذا قرارات؟ هل بالخطأ؟ أم أنها بالونة اختبار لقياس صبر الناس؟ الإصلاح الذي تتحدثون عنه لا يكون بتحميل المواطن فاتورة فشل 10 سنوات من الترقيعات. أين إصلاحات التوليد؟ أين حل أزمة الوقود؟ أين محاسبة الفاسدين في منظومة الشراء؟ بدلاً من ذلك تختارون الحل الأسهل: جيب المواطن.
البيان يختم بتطمينات عن “صون حقوق المستهلكين الأساسيين” و”تعزيز العدالة” و”ترشيد الاستهلاك”. أي عدالة هذه التي تجعل الفرق بين من يستهلك 999 كيلو ومن يستهلك 1001 كيلو هو آلاف الريالات؟ أي ترشيد هذا الذي يأتي في عز الصيف وفي ظل انقطاعات تصل إلى 12 ساعة؟ أنتم لا ترشدون الاستهلاك، أنتم ترشدون الكرامة.
إن تحويل الكهرباء من حق أساسي إلى سلعة طبقية هو “جريمة في حق المواطن” في ظل الظروف التي يشهدها البلد. وعلى الحكومة: إما أن توفروا خدمة مستقرة بسعر معقول، أو اعترفوا بعجزكم بشفافية. كفى لفاً ودوراناً خلف شرائح وتعرفة ومذكرات مسربة.
المواطنون لم يعودوا يحتملون بيانات؛ يريدون كهرباء. وغير ذلك هو هروب إلى الأمام.
للتأمل:
1000 كيلووات ليست رقماً في جدول.. إنها سقف لكرامة أسرة بأكملها. فإياكم أن تكسروه.
