
الخرطوم / 14 أكتوبر / متابعات :
شهد إقليم كردفان غرب السودان تطورات ميدانية بارزة، حيث تمكن الجيش من بسط سيطرته الكاملة على ثلاث مناطق في ولاية شمال كردفان، هي بارا وأم سيالة وجبرة الشيخ، وذلك بعد معارك ضارية خاضها لأكثر من 12 ساعة ضد قوات "الدعم السريع"، ضمن عمليات لتأمين خطوط الإمداد، وتوسيع نطاق التأمين حول مدينة الأبيض عاصمة الولاية، وتخفيف الضغط عليها بعد الهجمات المدفعية والجوية التي قامت بتنفيذها الأخيرة قرابة الشهر.
وقال بيان صادر باسم المتحدث الرسمي للجيش، "تمكنت قواتكم المسلحة والقوات المساندة لها، من تحرير مدن بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة، عنوة واقتداراً، عقب عمليات عسكرية محكمة ومعارك ضارية، سطر خلالها أبطالنا أروع صور الشجاعة والإقدام، وألحقوا بميليشيات الدعم السريع ومرتزقتها خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد، فيما ولت فلولها هاربة تحت وقع الضربات، تاركة خلفها عدداً من الأسلحة والآليات".
وأضاف البيان أن "هذا الانتصار الجديد يؤكد مجدداً أن إرادة شعبنا أقوى من كل المؤامرات، وأن عزيمة قواته المسلحة لا تلين، وأن راية الوطن ستظل عالية خفاقة، مهما عظمت التحديات وتعددت المؤامرات".
من جانبها، أكدت وزارة الدفاع السودانية، في منشور على موقعها في "فيسبوك"، أن "الجيش والقوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة يتقدمان على محور مدينة بارا ضمن عمليات متزامنة تنفذ في محاور عدة ضد ميليشيات الدعم السريع".
وأشار البيان إلى أن التقدم على محور بارا، بالتزامن مع التقدم على محور أم سيالة والمحاور الأخرى، يمثل تطوراً ميدانياً مهماً في شمال كردفان، من شأنه تعزيز انتشار الجيش والقوات المساندة لحماية المدنيين والبنية التحتية المدنية.

وتابع بيان وزارة الدفاع، "التقدم في هذا المحور يأتي متزامناً مع التقدم في محاور متعددة بكردفان ودارفور، وتكبيد العدو خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد، وفق خطط القيادة العامة للقوات المسلحة".
وبحسب وسائل إعلام محلية، فإن معارك شمال كردفان أسفرت عن تدمير 70 مركبة قتالية بكامل عتادها العسكري، واستلام 33 مركبة أخرى بحالات ممتازة مع كامل أسلحتها، فضلاً عن خسائر كبيرة في الأرواح وفي ظل الانهيار التام للخطوط الدفاعية للجماعة، في وقت اضطرت أعداد أخرى للفرار والانسحاب العشوائي باتجاه مدينة الفولة عاصمة ولاية غرب كردفان، وسط مؤشرات بانقطاع خطوط التنسيق والإمداد لتلك القوات.
في حين، أفادت مصادر ميدانية بأن وحدات من الجيش والقوات المساندة له، نفذت عملية تمشيط عسكرية واسعة النطاق في اتجاه مدينة بارا، في إطار الخطط الرامية لتأمين المنطقة وتوسيع نطاق السيطرة الميدانية.
وتأتي هذه العمليات العسكرية المكثفة بعد الانتصارات الأخيرة التي حققتها القوات في محاور القتال المختلفة بولاية شمال كردفان، بهدف تأمين الطرق الاستراتيجية، وقطع خطوط إمداد الميليشيات، وملاحقة العناصر الهاربة، تمهيداً لبسط الأمن والاستقرار بصورة كاملة في كل مدن وقرى الإقليم.
في السياق، اعتبر مراقبون عسكريون التقدم الذي أحرزه الجيش في شمال كردفان أنه يمثل تحولاً ميدانياً مهماً في هذا المحور المهم إثر انهيار "الدعم السريع" في ضوء الهجوم الواسع والكاسح لوحدات الجيش والتشكيلات المساندة له، مما سينعكس على مجريات العمليات العسكرية في إقليم دارفور، وبخاصة في الولايتين الشمالية والغربية.
وأكد المراقبون أن تكتيكات الجيش نجحت في تدمير الدفاعات الأولية لقوات الجماعة في المدن الثلاث (بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة) خلال 12 ساعة مستمرة من المواجهات الشرسة، مشيرين إلى أن السيطرة على هذه المدن تعني إنهاء تهديدات الأخيرة لمدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، من اتجاهين في الأقل.
وبيّن المراقبون أن التطورات الميدانية الأخيرة جاءت نتيجة عوامل عدة، من بينها انتقال مجموعات من قوات "الدعم السريع" إلى جبهات القتال في غرب وشمال دارفور، إضافة إلى تراجع الحاضنة الاجتماعية لهذه القوات في غرب وشمال كردفان، بسبب الانتهاكات التي تعرض لها المدنيون خلال الفترة الماضية من عمليات اختطاف وابتزاز بطلب الفدية على أيدي عناصر تتبع للجماعة، في وقت لا يزال عدد كبير منهم في عداد المختفين قسراً.

تكتسب مدينة بارا أهمية استراتيجية واقتصادية وجغرافية فائقة؛ إذ تبعد من العاصمة الخرطوم نحو 317 كيلومتراً وعن مدينة الأبيض نحو 40 كيلومتراً فقط، وتعد ثاني أكبر مدن ولاية شمال كردفان ونقطة وصل محورية بين وسط السودان وغربه.
فيما تمثل منطقة أم سيالة التي تتبع إدارياً لمحلية بارا وتبعد نحو 200 كيلومتر شمال مدينة الأبيض، أهمية جغرافية وعسكرية بالغة، نظراً لوقوعها على امتداد طرق حيوية تربط بين عدد من المدن والقرى في إقليم كردفان، مما يجعلها نقطة ارتكاز وممر إمداد استراتيجي لأي قوة تسعى إلى فرض السطوة الميدانية في المنطقة.
بينما، تقع جبرة الشيخ شمال شرقي مدينة الأبيض، وتضم طريقاً برياً رئيساً يربط المنطقة بشمال ووسط البلاد، مما منحها أهمية لوجستية كبيرة خلال سنوات الحرب. وتحولت منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، إلى مركز لوجستي لقوات "الدعم السريع"، وفق تقارير أشارت إلى وصول المعدات العسكرية الثقيلة إليها قبل توزيعها على جبهات القتال المختلفة، فضلاً عن كونها تعد منصة لإطلاق الطائرات المسيّرة باتجاه شمال وشرق ووسط البلاد.
في إقليم دارفور، شهد محور الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور أمس السبت، مواجهات ضارية، إثر محاولة فاشلة قامت بها عناصر تابعة لقوات "الدعم السريع" لفك الحصار المفروض على المدينة.
وبحسب مصادر ميدانية، فإن قوة تتبع للجماعة مكونة من 58 مركبة قتالية إضافة إلى عدد من الدراجات النارية كانت في طريقها إلى منطقة النقعة التي تقع على تخوم مدينة الجنينة، لكن تصدت لها قوة من الجيش والقوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة، حيث تمكنت من حصد وتدمير عدد كبير من مركباتهم القتالية، وإلحاق خسائر بشرية ومادية فادحة بصفوف القوات المعادية.
في سياق متصل، أشارت غرفة طوارئ محلية الطينة في ولاية شمال دارفور إلى معاناة نازحي المدينة من شح مياه الشرب، لافتة إلى انتظار الأطفال منذ الساعات الأولى من الصباح يومياً قبل شروق الشمس في طوابير طويلة للحصول على مياه من شاحنات محملة بالصهاريج توفرها الغرفة لتغطية الفجوة المتزايدة في هذه الخدمة الحيوية.
وقالت الغرفة في بيان، إنها "تعمل على تزويد النازحين في محلية الطينة بنحو 200 برميل من المياه يومياً"، مشيرة إلى أن معاناة الأطفال تبدأ قبل شروق الشمس يومياً؛ حيث يقفون مع الكبار للحصول على المياه.
.jpg)
وتابعت الغرفة "يقف الأطفال ساعات طويلة من دون راحة، على أقدامهم وبأجساد متعبة ووجوه شاحبة مليئة بالحيرة للحصول على مياه الشرب، لقد تقطعت طفولتهم إثر حمل الأواني الثقيلة بدلاً من حقائب المدرسة".
وعكست غرفة طوارئ الطينة مشاهد صادمة عن حياة الأطفال، قائلة إن المشاهد تخلو من الرحمة، والحياة تختزل في حمل أوانٍ بلاستيكية للحصول على المياه.
ومنذ نهاية عام 2025، دخلت محليات الطينة وكرنوي وأم برو ضمن دائرة النزاع المسلح في شمال دارفور إثر هجمات شنتها قوات "الدعم السريع" عقب السيطرة على مدينة الفاشر نهاية أكتوبر عام 2025.
وتسيطر قوات "الدعم السريع" على أجزاء من محليات الطينة وكرنوي، وتدور العمليات العسكرية وفق أسلوب الكر والفر من دون بقاء القوات في منطقة لفترات طويلة، الأمر الذي أدى إلى الإضرار بحياة المدنيين؛ حيث انعدمت الممرات الآمنة لإيصال المساعدات الإنسانية أو وصول القوافل التجارية، ويواجه عشرات الآلاف من المواطنين صعوبة في تأمين وجبة واحدة في اليوم، ويعتمدون على غرف الطوارئ بما في ذلك الحصول على مياه الشرب.
.jpg)
سياسياً، أكد وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم، أن العقوبات الأميركية تُستخدم كلما أحرز الجيش تقدماً على الأرض ضد قوات "الدعم السريع".
وأوضح سالم، في تصريحات صحافية، أن من يصدرون هذه العقوبات يتوهمون أنها ستؤدي إلى نتائج على الأرض، والملاحظ أنه كلما حققت القوات المسلحة نصراً تتصاعد مثل هذه العقوبات.
