حين نتحدث عن عدن، فنحن لا نتحدث عن مدينة عادية، ولا عن محافظة محدودة الإمكانيات، بل عن مدينة كان يمكن لها (بما تملكه من موقع وموارد وقدرات اقتصادية) أن تكون في مصاف المدن المزدهرة اقتصاديًا في المنطقة، مدينة وهبها الله موقعًا استراتيجيًا نادرًا على خطوط الملاحة الدولية، وميناءً بحريًا تاريخيًا، ومطارًا دوليًا، ومنافذ برية، وثروة بحرية، ومساحات استثمارية واسعة، فضلًا عن موارد مالية متنوعة من الضرائب والجمارك والرسوم والمقررات المختلفة. لكن السؤال الذي يظل حاضرًا بإلحاح: لماذا لا تنعكس كل هذه الإمكانيات على حياة الناس وخدمات المدينة؟
هنا يبرز المعنى الحقيقي لعبارة “حساب الحقل والبيدر”.
حساب الحقل يقول إن عدن تملك كل المقومات التي تجعلها مركزًا اقتصاديًا وتجاريًا وماليًا كبيرًا. فميناؤها البحري، إذا جرى تطويره واستثماره بصورة احترافية، يمكن أن يتحول إلى واحد من أهم الموانئ التجارية والخدمية في المنطقة، مستفيدًا من موقع المدينة القريب من أحد أهم الممرات البحرية العالمية. كما أن مطار عدن الدولي يمكن أن يكون بوابة للنقل الجوي التجاري والاستثماري والسياحي، بدل أن تبقى إمكانياته أقل من قدراته الحقيقية.
ولا يتوقف الأمر عند ذلك، فعدن تمتلك موارد مالية متعددة عبر الضرائب والجمارك ورسوم الموانئ والمنافذ البرية، إضافة إلى الحركة التجارية النشطة، والأسواق، والاستيراد والتصدير، فضلًا عن الثروة السمكية التي يمكن أن تتحول ـ إذا أُحسن استثمارها - إلى قطاع اقتصادي منتج يوفر آلاف فرص العمل ويغذي الاقتصاد المحلي بعائدات معتبرة.
كما أن المدينة تملك مساحات واسعة من الأراضي التي كان يمكن أن تتحول إلى مدن صناعية، ومشاريع استثمارية، ومناطق اقتصادية وسياحية وسكنية منظمة، تجذب رؤوس الأموال وتوفر فرصًا للتنمية والاستقرار الاقتصادي.
هذا هو “حساب الحقل”؛ حساب الإمكانيات، وحساب الفرص، وحساب ما يجب أن تكون عليه عدن لو وُضعت مواردها في الاتجاه الصحيح.
لكن عندما نصل إلى “حساب البيدر” ـ أي النتيجة الفعلية على الأرض - نجد صورة مختلفة تمامًا: خدمات متعثرة، كهرباء لا تستقر، بنية تحتية متهالكة، بطالة، تراجع اقتصادي، ومعاناة يومية للمواطن الذي بات يتساءل: أين تذهب موارد عدن؟
والإجابة التي لا يمكن تجاهلها أن “غول الفساد” ظل حاضرًا في قلب المشهد، يلتهم كثيرًا من الفرص قبل أن تصل إلى الناس. فالمشكلة ليست فقط في قلة الموارد، بل في سوء إدارتها، وضعف التخطيط، وغياب الشفافية والمحاسبة، وتحويل الإمكانيات إلى مصالح ضيقة بدل أن تكون مشاريع تنمية عامة.
ولعل أحد أخطر الملفات التي قوّضت مستقبل عدن الاستثماري يتمثل في الاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي من قبل متنفذين، وتحويل كثير من الأراضي التي كان يمكن أن تستوعب مشاريع إنتاجية واستثمارية إلى مناطق نفوذ ومصالح خاصة. وهو ما أضعف ثقة المستثمر، وقوض هيبة القانون، وخلق بيئة طاردة للاستثمار بدل أن تكون جاذبة له.
فأي مستثمر يبحث أولًا عن بيئة مستقرة، وقانون يحمي الحقوق، وأرض واضحة الملكية، وإدارة شفافة، لا عن صراعات نفوذ ومصالح متشابكة. ولذلك فإن الحديث عن نهضة عدن لا يمكن أن ينفصل عن استعادة هيبة المؤسسات، وحماية الأراضي العامة، وإيقاف العبث بالإمكانات الاقتصادية للمدينة.
عدن لا ينقصها المال، ولا الموقع، ولا الفرص، بل ينقصها أن تتحول مواردها من حسابات على الورق إلى نتائج يراها المواطن في الكهرباء، والخدمات، وفرص العمل، والتنمية. وحتى يحدث ذلك، سيظل الفرق كبيرًا بين “حساب الحقل” الذي يعد بالكثير، و“حساب البيدر” الذي يكشف واقعًا لا يليق بمدينة بحجم عدن وتاريخها وإمكاناتها.
