
عدن / 14 أكتوبر (خاص)
في لحظة فارقة من تاريخ البحث الأكاديمي الإعلامي في اليمن، ناقشت الباحثة سماح عبد الجبار عملاق بكلية الإعلام جامعة عدن، رسالة ماجستير نوعية بعنوان "تطوير المحتوى الصحفي باستخدام الذكاء الاصطناعي"، نالت على إثرها درجة الامتياز.
ولم تكن الرسالة مجرد استعراض نظري، بل جاءت بمثابة "بيان صمود" علمي، يرسم خارطة طريق لانتشال الصحافة اليمنية من شتاتها الجغرافي وتقييداتها التقنية نحو فضاءات "الجيل السابع".
الذكاء الاصطناعي: "المصحح والمسرّع" لا البديل
في مرافعة علمية لافتة، أكدت الباحثة أن الانتقال نحو صحافة الذكاء الاصطناعي في اليمن ليس "ترفاً تقنياً"، بل هو "آلية استجابة قصوى". وبينما يتجه العالم نحو صحافة الجيل السابع (7G Journalism)—التي تدمج الواقع المعزز بالتنبؤ الخوارزمي—أثبتت الدراسة أن الصحفي اليمني يمتلك "ذكاءً فطرياً" مكنه من تطويع الآلة لتكون "مهندساً للمحتوى"، يعوض نقص الكوادر ويكشف زيف المعلومات التي تغذي الصراعات.
تشريح الميدان: هيمنة "النص" وطموح "التكنولوجيا"
وضعت الدراسة واقع الصحافة اليمنية تحت مجهر التحليل الإحصائي (SPSS)، مستهدفة عينة من 144 صحفياً، لتخرج بمؤشرات رقمية تعكس فجوة واحتياجاً في آن واحد:
* عصر النص المستمر: أظهرت النتائج هيمنة المحتوى المكتوب بنسبة 87.5%، مع تراجع ملحوظ في القوالب المرئية والاستقصائية.
* سادة الدردشة: تصدر تطبيق (ChatGPT) قائمة الأدوات المستخدمة، يليه (Gemini)، في حين لا تزال التطبيقات المتقدمة مثل (Deep Seek) غائبة عن المشهد المحلي.
الوعي مقابل العجز
المثير للدهشة هو تأييد 84.7% من الصحفيين لاستخدام التقنيات الذكية، مما يكسر الصورة النمطية عن ممانعة التغيير، ويؤكد أن العائق هو "البنية التحتية" (كهرباء واتصالات) وليس القناعة المهنية.
البعد النظري والمواجهة الأخلاقية
استندت الباحثة إلى أطر نظرية رصينة (انتشار المبتكرات وUTAUT)، لتؤكد أن "اللمسة البشرية" تظل صمام الأمان أمام "انحيازات الخوارزمية". وأوضحت الدراسة أن التحدي الأخلاقي المتمثل في صعوبة تدقيق الحقائق واختراق الخصوصية يمثل الهاجس الأكبر لدى الوسط الصحفي اليمني، مما يستدعي صياغة مواثيق شرف رقمية جديدة.
توصيات استراتيجية: من التدريب إلى التشريع
لم تكتفِ الباحثة بالتشخيص، بل قدمت "روشتة" عملية للتطوير المؤسسي تشمل:
* أتمتة المهام الروتينية: لتركيز الجهد البشري في الإبداع والتحليل.
* التدريب الرقمي المستمر: ودمج تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مناهج الجامعات.
* إحلال التكنولوجيا منخفضة التكلفة: لمواءمة ضعف التمويل في المؤسسات المحلية.
رسالة من رحم المعاناة
وفي لحظة إنسانية مهيبة، كشفت الباحثة أن هذه الدراسة وُلدت "من رحم المسافات الوعرة ووحشة الغربة في السكن الطلابي"، حيث كانت شاشة الحاسوب هي الشمس الوحيدة في غرف انقطعت عنها الكهرباء. ووصفت الباحثة توظيف الذكاء الاصطناعي بأنه "ميثاق نجاة مهني" وأداة "لتدفئة الحقيقة الحزينة"، مؤكدة أن "الذكاء الحقيقي ليس في الخوارزمية، بل في الإرادة اليمنية التي لم تنكسر".
بهذا الإنجاز، تحجز الباحثة سماح عملاق للصحافة اليمنية مقعدًا في صفوف المستقبل الأولى، محولةً البحث العلمي من مجرد أوراق مركونة إلى قوة دافعة للتغيير والتأثير في المشهد الإعلامي العالمي.
