في كل عام يقترب شهر رمضان المبارك حاملًا معه قيم الرحمة والتكافل والتراحم، غير أنّه يحل هذا العام على واقعٍ اجتماعي واقتصادي بالغ القسوة. آلاف الأسر تدخل الشهر الفضيل وهي مثقلة بالهمّ، برواتب لا تفي بأبسط الاحتياجات، وغلاء معيشة متصاعد جعل من تأمين الضروريات اليومية تحديًا حقيقيًا، ناهيك عن متطلبات شهر رمضان.
رمضان ليس مجرد شهر صيام وطقوس تعبّدية، بل هو مدرسة أخلاقية واجتماعية تُعيد التذكير بمعاني العدالة، وتوقظ الضمير الجمعي تجاه الفقراء والمهمشين. غير أنّ الإحسان الفردي، على أهميته وفضله، لا يمكن أن يتحوّل إلى بديل عن الدور المؤسسي المنظّم، الذي تتحمل مسؤوليته الدولة ممثّلة بالسلطات المحلية، بوصفه واجبًا أصيلًا لا منّة فيه ولا تفضّل.
فالرواتب المحدودة التي يتقاضاها الموظفون والعمال لم تعد تتناسب مع واقع الأسعار المتسارع. الإيجارات، والمواد الغذائية، والكهرباء، والمياه، والنقل، وتكاليف التعليم والدواء، جميعها تشهد ارتفاعًا مستمرًا، بينما يظل الدخل ثابتًا أو يتآكل بفعل التضخم. هذا الخلل البنيوي لا يمكن معالجته بسلال غذائية موسمية أو مبادرات ظرفية، بل يتطلّب تدخلًا جادًا يعيد التوازن بين الدخل ومتطلبات العيش الكريم.
من هنا تبرز الحاجة إلى شبكة حماية اجتماعية حقيقية، تُبنى على أسس واضحة وعادلة: حصر دقيق للأسر الفقيرة والأشد فقرًا، دعم نقدي منتظم يضمن الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية، برامج دعم غذائي خاصة في المواسم الحساسة كرمضان والأعياد، وتسهيلات ملموسة في الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم. كما ينبغي أن تتكامل هذه الإجراءات مع سياسات تشغيل حقيقية تخلق فرص عمل مستدامة، بدل الاكتفاء بحلول إسعافية مؤقتة.
ولا يقل دور المجتمع المدني أهمية عن دور السلطات. فالجمعيات الخيرية، والمبادرات التطوعية، ورجال الأعمال، شركاء أساسيون في التخفيف من معاناة الفقراء. غير أنّ هذا الدور، مهما كانت نواياه حسنة، يحتاج إلى تنظيم وتنسيق مع الجهات الرسمية، حتى لا تتحول الجهود إلى أعمال متفرقة وغير عادلة في توزيعها، تصل إلى غير المستحقين أحيانًا، بينما يُحرم منها من هم أولى بها.
في شهر رمضان تتضاعف المسؤولية الأخلاقية. موائد الإفطار، وسلال الغذاء، وزكاة المال، كلها مظاهر نبيلة للتكافل الاجتماعي، لكنها لا تُغني عن معالجة جذور الأزمة. فحين يصبح الفقير معتمدًا على الصدقة الموسمية للبقاء، نكون أمام خلل في مفهوم العدالة، لا أمام فضيلة إحسان.
المطلوب اليوم هو الانتقال من منطق الصدقة إلى منطق الحق؛ حق الفقير في العيش الكريم، وحقه في سياسات عامة تحميه من الجوع والعوز، لا أن تتركه رهينة للمواسم والمبادرات الطوعية. إن اقتراب شهر رمضان في ظل هذا الواقع الصعب يجب أن يكون جرس إنذار، لا مناسبة عابرة.
فالتراحم قيمة عظيمة، لكنه يبلغ ذروته حين يتحول إلى فعل مؤسسي منظم، تتحمل فيه السلطات المحلية والحكومة مسؤولياتها كاملة، ويشارك فيه المجتمع بوعي وعدالة. عندها فقط يمكن لرمضان أن يكون شهر طمأنينة للجميع، لا شهرًا تتضاعف فيه هموم الفقراء وآهات المحتاجين.
