مع الإعلان عن التشكيل الحكومي الجديد، تتجدد آمال الناس في فتح صفحة مختلفة عنوانها العمل والمسؤولية والإنجاز. لكن نجاح أي حكومة — مهما كانت كفاءتها — لا يتوقف على أعضائها فقط، بل على البيئة المجتمعية والسياسية التي تعمل فيها. فالدولة لا تُبنى بقرارات فوقية وحدها، بل بتوافق مجتمعي واسع يحميها، ويراقب أداءها، ويدعم مسار الإصلاح فيها.
لقد أثبتت التجارب أن الانقسام والصراع الإعلامي وخطاب التخوين لا ينتج دولة، بل يستهلك ما تبقى من طاقتها. كما أثبتت سنوات المحاصصة والتجاذب أن تقاسم النفوذ لا يعوّض غياب الرؤية، وأن الضجيج لا يصنع تنمية، وأن إدارة الخلاف بلا ضوابط تقود إلى إضعاف المؤسسات وفقدان ثقة المواطن.
اليوم نحن أمام فرصة يجب ألا تُهدر: فرصة تحويل لحظة الإعلان الحكومي إلى نقطة انطلاق نحو شراكة مجتمعية واعية مع الدولة. شراكة تقوم على ثلاث ركائز أساسية:
أولاً: دعم الاستقرار المؤسسي
استقرار مؤسسات الدولة هو مصلحة عامة للجميع، بغض النظر عن المواقف السياسية. النقد حق، بل ضرورة، لكنه يجب أن يكون نقدًا مسؤولًا يهدف إلى التصحيح لا الهدم، وإلى التقويم لا التحريض. الفارق كبير بين محاسبة الأداء وبين إسقاط الثقة الشامل الذي يضرب أساس الدولة نفسها.
ثانيًا: التوافق على أولويات الناس
يمكن أن نختلف سياسيًا، لكن لا ينبغي أن نختلف على أولويات المجتمع: الأمن، الخدمات، العدالة، سيادة القانون، تحسين المعيشة، ومحاربة الفساد. هذه ليست ملفات فئوية، بل قضايا جامعة. وكل خطاب أو ممارسة تُبعد هذه الأولويات عن الصدارة إنما تُدخل البلد في دائرة صراع بلا نهاية.
ثالثًا: حماية المجال العام من الاستقطاب
المجتمع المنقسم إعلاميًا ونفسيًا لا يستطيع مساندة أي مشروع وطني. المطلوب اليوم تخفيف حدة الخطاب، ووقف حملات الشيطنة، وفتح مساحات للحوار بين المكونات الاجتماعية والسياسية. فالتوافق لا يعني التطابق، بل إدارة الاختلاف ضمن إطار وطني جامع.
إن دعم الدولة لا يعني الصمت عن الخطأ، كما أن المعارضة لا تعني تعطيل كل خطوة. بين الاثنين مساحة واسعة اسمها المسؤولية الوطنية: أن تمنح الفرصة، وتراقب بوعي، وتنتقد بعدل، وتدعم كل قرار يصب في مصلحة الناس، وترفض كل انحراف عن القانون.
الحكومة أمام اختبار، نعم. لكن المجتمع أيضًا أمام اختبار نضج.
فإما أن نكون شركاء في تثبيت الاستقرار وبناء الثقة،
وإما أن نكرر دورة الشك والصراع وإضاعة الفرص.
الدولة القوية لا تُفرض بالقوة، بل تُبنى بالتوافق.
والتوافق يبدأ من خطابنا.. ثم ينعكس في أفعالنا.
