المشكلة الجوهرية في مشهدنا السياسي، أن بعض القوى تتعامل مع مشروعها بوصفه الحقيقة الوحيدة الممكنة، وترفض الاعتراف بشرعية أي مشروع آخر. هذا السلوك لا يعكس قوة سياسية بقدر ما يكشف ضيق أفق، وعجزا عن إدارة الاختلاف ضمن إطار وطني جامع.
في هذا السياق، تتحول السياسة من تنافس على البرامج والرؤى إلى معركة اتهامات، يُستبدل فيها الحوار بخطاب التخوين، ويُستخدم فيها وصف “الإرهاب” كسلاح سياسي لإقصاء الخصوم، لا كتعريف قانوني أو أخلاقي منضبط. والحقيقة أن الإرهاب هو كل فعل يرهب المجتمع ويهدد أمنه واستقراره ومصالح الناس، أياً كان مصدره أو شعاراته.
كما أن اللجوء المكثف إلى الحشد الجماهيري والتظاهر الاستعراضي، بهدف إظهار حجم التأييد، يعكس فشلاً في بناء توافق سياسي حقيقي. فالأغلبية لا تُقاس بالصور ولا بعدد الحشود، بل بمدى قبول الناس للمشروع، وثقتهم به، واستعدادهم للالتفاف حوله في الممارسة اليومية.
المشاريع السياسية الجادة تُقاس بوضوح خطابها، وبقيمها، وبأخلاقيات سلوكها في السلطة والمعارضة على حد سواء، وبقدرتها على تقديم حلول واقعية لمشاكل الناس، لا بتأجيج الشارع أو توظيف الغضب الشعبي.
إن الخلاف السياسي لا يُدار بمنطق الكسر والإلغاء، بل عبر الحوار وطرح البدائل، واحترام التعدد، والاحتكام إلى الوعي العام والمؤسسات. وأي مشروع لا يؤمن بالتعدد ولا يقبل الشراكة الوطنية، مهما علا صوته، سيظل مشروعا إقصائيا عاجزا عن بناء دولة مستقرة.
الرسالة الواضحة اليوم هي أن الطريق إلى الشرعية يمر عبر العقلانية والمسؤولية السياسية، لا عبر التحريض ولا استعراض القوة في الشارع. فالدولة تُبنى بالإقناع، وبالثقة، وبالعمل، لا بالضجيج.
