هناك شيء غريب يحدث من حولنا، شيء يشبه انقلابًا هادئًا على الذائقة العامة.انقلاب لا نسمع له ضجيجًا، لكنه يتسلل إلى تفاصيل يومنا كالماء المتسرب من شق صغير في الجدار. فجأة أصبحت الرداءة هي بطلة المشهد، تتقدم بلا خجل، وتفرض حضورها بثقة لا تستمدها من قيمة حقيقية، بل من تصفيق جمهور تشكّل من السرعة والفراغ والاندفاع.
لم نعد نتفاجأ حين نرى شخصية بلا موهبة تتصدر الشاشات، أو محتوى تافهاً يحصد ملايين المشاهدات، أو عملًا ضعيفًا يُناقَش في البرامج والمنصات كما لو أنه إنجاز فكري أو تجديد في الوعي. أصبح من السهل أن تجد من يبرر التفاهة، من يفسر انتشارها، ومن يطالب بمنحها “حقها” في الظهور، حتى لو كان ذلك الحق مسلوبًا من أعمال تمتلك قيمة أعمق وأثرًا أبقى.
لقد دخلنا مرحلة يمكن وصفها دون مبالغة بمرحلة تقديس الرداءة. الرداءة لم تعد مجرد نتاج لضعف الذوق العام، بل تحولت إلى قيمة اجتماعية يُحتفى بها. صارت تُقدّم على أنها “طبيعية”، “خفيفة”، “مسلية”، أو “قريبة من الناس”. وكأن الجودة أصبحت تهمة ثقيلة تحتاج إلى تبرير، وكأن الإبداع صار عبئًا لا يناسب إيقاع زمن يركض بلا وجهة.
الخوارزميات، بلا شك، تلعب جزءًا كبيرًا في هذه الفوضى. فهي لا تفهم الجمال، ولا تعترف بالمحتوى العميق، ولا تفرّق بين عمل يستحق الظهور وآخر لم يصنعه سوى الفراغ. كل ما تفهمه هو الضغط على زر الإعجاب، وعدّ المشاهدات، والترويج لما يثير الانتباه السريع ولو لثوانٍ. أما البشر، فقد انساق كثير منهم خلف هذا الإيقاع اللاهث: شهرة سريعة، محتوى سريع، تفاعل سريع… حتى لو كان الثمن التضحية بالمستوى والعمق والمعنى.
الأخطر من ذلك، أن الرداءة لم تعد تُقدَّم على أنها خيار من بين خيارات، بل أصبحت معيارًا يُقاس عليه النجاح. لم يعد مستغربًا أن نرى موهبة حقيقية تتراجع خطوة إلى الخلف، ليس خوفًا من النقد بل من صخبٍ يصنعه من لا يمتلكون شيئًا ليقولوه. وسط هذا الضجيج، يخفت صوت الجودة، وتختفي الأعمال الجادة في الزوايا، وتغدو السطحية عنوانًا عريضًا يطل كل صباح.
ويبقى السؤال الأهم: هل نستحق ما نتلقاه فعلاً؟ الإجابة، للأسف، تظهر بوضوح في قوائم الأكثر مشاهدة، وفي الترندات التي نصنعها بأيدينا، وفي انتشار محتويات لا تحمل من القيمة إلا حجم ضوضائها. نحن من يحدد ماذا يرتفع وماذا يسقط، ونحن، بوعي أو بغير وعي، نمنح الرداءة مكانًا لم تكن لتحصل عليه لولا جمهور واسع فتح لها الباب.
ومع ذلك، يبقى هناك ما يدعو للتفاؤل. فالجمال لا يموت، والإبداع لا يختفي، والمعنى لا يُهزم مهما غطّت عليه السطحية لفترة من الزمن. يعود دائمًا حين يجد من يقدّره، ومن يمنحه فرصة للظهور. كل مقاومة تبدأ بقرار صغير: أن نختار الأفضل، أن نرفع ذائقتنا قليلًا، وأن نمنح القيمة مساحة تستحقها.
أما الرداءة، فمهما حاول البعض تجميلها أو فرضها، فهي في النهاية تبقى كما هي، لا تستحق الكثير.
