يرتبط رمضان بظهور الهلال، ولعله الشهر الوحيد من بين شهور السنة الذي يحرص المسلمون على توخي رؤيته والتيقن من ظهوره بالعين المجردة، “ صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته” - فتجدهم يخرجون بعد غياب شمس آخر يوم من شعبان إلى الفضاء الواسع، أو الأماكن المرتفعة التي يمكن منها الرؤية بوضوح، يرصدون ويستطلعون ظهور هلال الشهر الكريم، فإذا رأوه، أو رآه أحد منهم من ذوي الثقة، المشهود له بالصدق وحدة وسلامة النظر والتقى اعتمد القاضي و لجنة الأهلة ثبوت هلال اليوم الأول من رمضان، وأعلنته على الناس بالوسائل المتاحة حينها، فصاموا الشهر، ويكون ضرب المدفع إحداها، خاصة لسكان القُرى البعيدة.
ونحن أطفال كنا نخرج مع الكبار لاستطلاع هلال اليوم الأول من رمضان.
وكانت الساحة الفسيحة بين حصن الدولةوالمستوصف الصحي في بلدتنا الديس الشرقية، شرقي حضرموت المكان الذي يجتمع فيه الكبار لرصد الهلال. فكنا نمد أبصارنا حتى آخر مدى نستطيع في الأفق الشاسع لعلنا، أو أحداً منا يتاح له الحظ فيرى الهلال فيبشر الآخرين برؤيته. وحتى لو رآه لما صدقه أحد، فمن ذا يصدق طفلاً لم يبلغ الحلم بأنه رأى هلال رمضان دون الكبار، حتى لو كان أحدَ واقوى بصراً من أولئك الكبار الذين تجاوز أغلبهم الخمسين والستين وضعف بصرهم ولم يعد كما كان في سالف الأزمان. لكن في الأخير الذي كان يحسم الأمر مدفع رمضان، وإعلان رؤية الهلال من راديو عدن. أما الأماكن البعيدة فالقريب يوصل الخبر للبعيد بواسطة إطلاق الرصاص حيث كان ذلك حينها وسيلة من وسائل الإعلان عند دخول شهر رمضان والعيد أو عند قدوم السيول. فترتفع أصوات المصلين من المساجد بالترحيب برمضان، وتكاد تكون الصيغة واللحن واحداً: “ مرحب مرحب يارمضان، يامرحبا بك يارمضان” و “ رحبوا يا صائمينا، شهر رب العالمين”، ويتوجه الناس إلى المساجد لاداء صلاة التراويح بعد صلاة العشاء مباشرة. أما الأطفال فلهم اهازيجهم في الترحيب بالشهر الفضيل، ومنها : “ رمضان جاء ياحيا به، جاب عشاه معاه ياحيا به” كما إن للنساء في البيوت طرقها في الاحتفاء برمضان، وكانت النساء يبدأن بالترحيب بشهر رمضان والاستعداد له بالشعبانية في المساجد، ثم الترحيب برمضان، ويقام في بعض البيوت مثل بيت بحاح -الخالة فطوم وبيت شيخة بروكة- وكل من تحضر الترحيب تحظى بقميص للصلاة .
يأتي دور نبع الصّيق كجزء من الاستعداد لرمضان. الكل ينظف ملابسه استعداداً لأداء الصلوات في المساجد. كما يقع العبء الأكبر على النساء فيقمن بطحن البهارات في المنحاز وتهيئة التنار ودكة الطحين ورش واجهة المنزل بطين بيضاء ومحض الحيوة. فيما يقوم الرجال بشراء حمولة فحم وحطب من البدو .. أما الأطفال فيجهزون دكة رمضان برسومات جدارية من ابداعهم وخيالهم تلفت نقوشها المارة .
وعصر رمضان يزداد النشاط في السوق القديم وسوق السمك وتظهر مأكولات رمضان. (سمبوسا ومشبك وتمر وغيرها). وينتظر الناس أذان المغرب وسماع صوت المدفع الذي يقوم بحشوه سعيد قوني وحمدون في الليل
لكن بعض هذه العادات الآن اختفت مع زحمة الحياة والتغييرات التي دخلت على المجتمع .
اليوم لم تعد تلك الطرق القديمة، هي المعتمدة، بعد ظهور الوسائل الفلكية الحديثةالتي تحدد بدقة ظهور الهلال، وأصبح المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها يعلمون بدء الشهر في نفس التوقيت تقريباً بواسطة المذياع والتلفاز ووسائل الاتصال الحديثة، فيصومون في توقيت واحد إلاَّ في بعض البلدان التي تقدم يوماً، أو تؤخر يوماً لأسباب تكون احيانا فلكية، واخرى سياسية!!