د. ميرزا حسن - المدير التنفيذي للبنك الدولي يتحدث لـ : 14اكتوبر
أجرى اللقاء في واشنطن / بشير الحزمييلعب البنك الدولي دورا مهما في دعم جهود التنمية في اليمن والتخفيف من حدة البطالة والفقر، وقد ظل البنك طوال السنوات الماضية يركز اهتماماته على بعض الجوانب المهمة في حياة اليمنيين. والآن كما هو ملاحظ فإن البنك يسعى إلى بناء وتطوير علاقة شراكة وتعاون أوسع وأشمل مع اليمن ومضاعفة جهوده لدعم مجالات التنمية فيها وفق برامج واضحة ومحددة تلبي احتياجات المجتمع وتناسب متطلبات المرحلة الراهنة والتحديات الكبيرة التي يواجهها اليمن. هذا ما لمسناه من حديث المسئولين في البنك الدولي معنا خلال لقائنا بهم في العاصمة الأمريكية واشنطن على هامش اجتماعات الربيع العربي 2012 للبنك الدولي . وفي السطور التالية سنتناول واحدا من تلك اللقاءات التي أجرتها الصحيفة مع المسئولين في البنك الدولي في واشنطن وهو مع الدكتور ميرزا حسن - المدير التنفيذي للبنك الدولي الذي تحدث معنا بكل صراحة وشفافية ..فإلى نص اللقاء: - البنك الدولي واليمن تربطهما علاقة قديمة ومتينة .. كيف تقيمونها اليوم؟-- إن علاقة البنك الدولي واليمن هي علاقة متميزة وقد تطورت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة. كما أن هناك تغيراً كبيراً في طريقة تعامل البنك مع الدول التي كانت في الماضي علاقة شرطية. ولكن خلال السنوات الثمان الأخيرة أصبحت العلاقة تعتمد على تعزيز المشاركة بيننا وبين اليمن في موضوع الأولويات وهناك برنامج مشترك بين البنك واليمن. ونحرص على أن يكون للحكومة اليمنية ملكية مطلقة في برامج التنمية. فنحن لا نستطيع أن نحقق التنمية بشروط نمليها على البلد، ولكن نساعد البلد في بعض الأولويات التي نعتقد أنها مهمة لدفع حركة التنمية. ويقوم البنك بمساعدة الحكومة في وضع الخطط الخمسية، وكيفية التصدي لبعض المشاكل ووضع سياسات واستراتيجيات حكيمة تساعد في موضوع التنمية بشكل عام والتنمية المستدامة بشكل خاص. وهناك قطاعات معينة يجب الاهتمام بها بشكل أكبر وقد بدأنا بتطوير القدرات البشرية، و أتمنى أن لا تهاجر هذه الكفاءات وتعمل على توفير ما تحتاجه المرحلة الحالية لليمن ويمكن الاستفادة منها بدرجة كبيرة. فالبنك الدولي بدأ يطور هذه الشراكة من خلال الخطة الخمسية وخطط أخرى تم مراجعتها من قبل البنك ووضع تصورات لها وأصبحت في حيز التنفيذ. والسؤال الذي يطرح نفسه هو في موضوع التنفيذ.. ما الذي أُنجز وما الذي لم ينجز؟ بالطبع لا نقدر على أن نحمل الحكومة اليمنية المسئولية الكاملة، لعدم التنفيذ ولا على البنك في موضوع التباطؤ في التنفيذ، بل للظروف التي تمر بها اليمن حالياً. وأود أن أضيف أننا في البنك تعلمنا دروساً من السنوات الماضية. فنحن الآن لنا نظرة جديدة، كما أن اليمن مقبل على حقبة وإدارة وقيادة جديدة. والسؤال هو كيف نتحاشى المشاكل التي حدثت في اليمن في السابق ونبدأ بإصلاحها؟ وإن شاء الله سيكون عندنا برنامج يلبي بعض الطموحات. وزيارتي لليمن في مطلع شهر مايو ستتيح الفرصة لنتدارس مع الحكومة اليمنية كل هذه الأمور لكي نبدأ تصورنا الجديد بالنسبة لبرنامجنا التنموي وكيف يمكن الاستفادة من المشاكل التي كانت موجودة في البرنامج السابق. [c1] ثلاث قضايا رئيسية[/c]- هل لكم أن تحددوا لنا ابرز ملامح الشراكة والتعاون القادم مع اليمن في الفترة المقبلة في ضوء ما تفضلتم بطرحه في الحديث عن هذه العلاقة ؟-- سيتم التركيز على ثلاث قضايا أساسية في قطاعات حيوية ليست فقط في اليمن بل على مستوى العالم العربي. وهي قطاع التنمية المستدامة، قطاع خلق وظائف عمل وقطاع حماية الطبقة الفقيرة والمستضعفين. كل تلك القطاعات هي في الأساس مرتبطة بالبرنامج الاجتماعي الذي يشمل الصحة والتعليم. وعندما يهتم البنك بالتعليم، يكمن التركيز على التعليم وربطه بمخرجات سوق العمل. إن اليمن في حاجة ماسة لعمالة ماهرة قادرة على المنافسة ويمكن تصديرها للدول المجاورة، لأن الاقتصاد اليمني مهما نمي لن يتمكن من استيعاب العدد الموجود من الشباب الذين هم بحاجة للعمل. وأعتقد أن الخطة الحكيمة هي بأن تدرب الطاقات اليمنية ليس للسوق اليمنية ولكن للأسواق المجاورة، ويوجد طلب للعمالة اليمنية في الأسواق المجاورة، ولو طالعنا التجربة الألمانية في موضوع التدريب لسنتين سواء في موضوع المعلمين أو في موضوع الممرضات والهيئات التمريضية سنجد أن هناك حاجة كبيرة للتدريب ليس فقط في العالم العربي والخليج ولكن على المستوى العالمي. وبرنامج التدريب المهني أصبح المرتكر الأساسي لتطور اليمن وقد بدأنا نعمل مع الحكومة لتحقيق ذلك ونريد إخراجه إلى حيز التنفيذ بشكل اكبر. وهناك شيء مهم لابد أن نقوله وهو أننا لن نستطيع أن ننجح في أي برامج إذا لم يكن هناك استقرار سياسي . وأنا أقول دائما إن أي تنمية مرتبطة ارتباطاً كبيراً بموضوع الاستقرار السياسي . ونحن نريد أن نعجل في بعض أدوات الاستقرار بسرعة من اجل أن نعمل في برامج التنمية.[c1] تشجيع الاستثمار واستغلال الفرص[/c]- مرت اليمن خلال العام الماضي بأوضاع صعبة خلفت آثاراً سيئة على مجالات التنمية المختلفة.. ما الذي يمكن أن يقدمه البنك لمساعدة اليمن على تجاوز تلك الآثار؟-- إن الاحتياج والتطلعات في اليمن كبيران وكذا حجم الاستثمار المطلوب. والسؤال هو.. هل البنك الدولي قادر على أن يغطي هذا الاستثمار؟ إن البنك ينظر إلى أصدقاء اليمن لترجمة تعهداتهم فيما يتعلق بالمساعدات المالية والفنية إلى حقيقة وواقع. ونحن بشكل كبير نتطلع إلى دور اكبر لدول الخليج في الفترة القادمة. وهناك اهتمام واضح من قبل دول الخليج باليمن، كما يشجع البنك الاستثمار الخليجي للقطاع الخاص في اليمن. ويجب التركيز على تهيئة مناخ إيجابي للاستثمار، ولا تزال بعض الأمور في حاجة إلى وضع حلول لها مثل ملكية الأراضي. وسيعمل البنك على دعم وتشجيع القطاع الزراعي في اليمن لأن هذا القطاع واعد ومربح. ولدى اليمن بعض المميزات في بعض المنتجات الزراعية التي يمكن أن يستثمر فيها. كما تعتبر السياحة أحد القطاعات المهمة بالنسبة لليمن، لأنها تمتلك كل المقومات السياحية سواءفي السياحة التاريخية أو الدينية وحتى السياحة الطبيعة وسياحة المناخ وهي كلها موجودة في اليمن ولم يتم استغلالها بعد. ويبحث البنك طرق الاستفادة من تلك الإمكانيات ومساعدة اليمن في هذا الجانب، بما فيها البنية التحتية. بالرغم من أن السياحة مجال يخضع للمنافسة الشديدة، حيث يتم وضع برامج سياحية متطورة في بعض الدول، مثل تركيا، ودبي، عمان ومصر. وإذا نظرنا لليمن فلديه بعض المميزات غير الموجودة في الدول الأخرى ويجب أن تستغل وبدورها ستعمل على تشغيل قطاعات كثيرة. فالسياحة ستشغل قطاعات أخرى مثل الفنادق، والمطاعم وقطاع النقل وستخلق وظائف كثيرة. وخلال زياراتي السابقة لليمن، تنقلت بين صنعاء وعدن وقد وجدت أن هذا البلد في غاية الجمال! وتوجد فرص كبيرة لم تستغل بعد في اليمن، مثل رجال الأعمال اليمنيين في الداخل والخارج ممن لديهم القدرة على الاستثمار. ونعمل حالياً مع الحكومة اليمنية لتشجيع الاستثمار وخلق البيئة المناسبة لجذب الاستثمارات. فالحكومة اليمنية ليس بمقدورها أن تعمل وحدها وهي تحتاج لمشاركة القطاع الخاص كشريك لها. وهناك فرص للاستثمار في العسل الدوعني، البن اليمني و الرمان، الذي لم يستغل أيضا. كما أن اليمن يواجه تحدياً كبيراً في مسالة المياه. حيث أن جزءاً كبيراً منها يذهب لزراعة القات. وعلى المجتمع أن يتعامل مع القات بشكل جاد. فهو ليس قطاعاً منتجاً وله أضرار اقتصادية واجتماعية كبيرة، كما أنه يؤثر على الصحة بشكل خاص. فاليوم 50 % من دخل الفرد في اليمن يذهب للقات. إذا أراد اليمن أن يستثمر فهناك قطاعات واعدة ونحن بصدد دراسة الموضوع مع الحكومة اليمنية لمعرفة توجهاتها في هذا المجال.[c1] الاستفادة من تجارب الآخرين[/c]- من أجل استغلال كل تلك الفرص المتاحة أمام اليمن واليمنيين .. برأيكم ما هو المطلوب لتحقيق ذلك .. وما هو الدور الذي ينبغي على الحكومة القيام به.. وما دوركم في البنك لمساعدة اليمن على تحقيق ذلك خصوصا أنكم تطلعون على تجارب ناجحة يمكن أن تستفيد منها اليمن؟-- من بعض التجارب الناجحة- إحدى الدول الصاعدة- وهي (غانا) التي بدأت تستغل ثرواتها الطبيعية بشكل أفضل بعد المشاركة في استغلال هذه الثروة. وهناك تجارب كثير في جنوب البرازيل وفي إفريقيا وفيتنام وهذه كلها كانت فقيرة ولديهم تحديات اكبر من اليمن. والمهم في كل النجاحات انه كان لديهم برنامج وإرادة قوية في التغيير، ليس فقط من قبل الحكومة ولكن أيضا من الناس أنفسهم. وعملوا جاهدين في تحسين مناخ الاستثمار. اليمن ليس لديه مناخ استثمار فيما يتعلق بالقوانين والبنوك ولا توجد مصادر مالية للاستثمار. وهناك مشكلة يواجهها المستثمر الخليجي في مجال الفندقة في اليمن، وهي مشكلة الأراضي. فإذا لم تحل هذه المشكلة لن يكون هناك قطاع عقاري قائم على أساس الإنتاجية. وما أريد أن أقوله أن هناك تحديات يريد البنك أن نشارك في مواجهتها. وقد قدمنا بعض التوصيات لنساعد الحكومة بشكل أفضل لكي نترجم ذلك إلى برامج ونرى بعض نتائجها، لابد أن نظهر النتائج حتى ولو كانت صغيرة. واليوم هناك شهية عند بعض التجار الخليجيين للاستثمار في قطاعات معينة في اليمن، وسنركز على القطاع الخاص لكن في المقابل القطاع العام لابد أن يتحسن في الأداء وهذه مسألة مهمة. فالقطاع العام لابد أن يصعد بكفاءته وبشكل اكبر. ونحن سنجلس مع المدير الإقليمي ومدير مكتب البنك في اليمن لنضع تصوراً تحدد فيه الأولويات ونضع البرنامج. إن دعمنا لليمن ليس كبيراً لكننا معولون على أن يعمل البنك على استقطاب مصادر تمويل اكبر وهو ما نسميه بالتنمية الذكية.[c1] تدهور الوضع الأمني[/c]- إذا ما استمر تدهور الوضع الأمني في اليمن.. هل سيؤثر ذلك على نشاط البنك في الفترة القادمة .. وما هي النصيحة التي توجهونها لليمنيين في هذا الوقت؟-- اعتقد أن غياب الأمن هو العدو اللدود للتنمية. فإن لم يتوفر الأمان فلن يتمكن القطاع الخاص من أن يعمل ولن نقدر أن نأتي بالخبراء للعمل مع الحكومة بشكل أفضل واكبر. حتى المنظمات الدولية الأخرى يأخذون موضوع الأمن بشكل جدي وعلى درجة كبيرة من الأهمية. وللأسف ستمضي الأمور بشكل بطيء وبرنامجنا سيكون صغيراً و لن يكبر بالشكل الذي نريده. إن هذا الأمر ليس بأيدينا وهو خيار موجود لليمن ككل لا نقول الحكومة بل الحكومة والشعب معاً. فالدول التي فيها أمن أكثر هي التي تستطيع أن ترى فيها النمو بشكل اكبر والدول التي لا يوجد فيها الأمن سترى فيها المجاعة والمشاكل. فإذاً موضوع الأمن مهم جدا بالنسبة لنا.[c1] تحقيق أهداف الألفية[/c]- أعلن البنك الدولي في وقت سابق أن التقديرات الأولية تشير إلى أن الهدف الأول من أهداف الألفية والمتعلق بتخفيض نسبة الفقراء المدقعين في العالم إلى النصف قد تحقق .. غير أننا في اليمن نتجه عكس ذلك بخاصة إذا ما نظرنا إلى تأثيرات الأزمة التي مرت بها اليمن والتي فاقمت من المشكلة وضاعفت من أعداد الفقراء والعاطلين عن العمل.. برأيكم كيف يمكن لليمن أن يواجه ذلك؟-- الرئيس الجديد لليمن وضع واحدة من أولوياته أهداف الألفية. و أنا أتوقع انه سيصب بعض الجهود في هذا المجال. أضف إلى ذلك موضوع سوء التغذية، تعليم الفتيات ودور المرأة اليمنية التي يجب أن ينظر لها كأداة من أدوات التنمية وشريكاً فاعلاً. فإذا كان نصف المجتمع لا يعمل ولا يشارك في عجلة التنمية، فالتنمية لن تستطيع أن تدار بنصف المجتمع فقط. والرئيس اليمني الجديد قال أنه سيعمل على تحقيق أهداف الألفية. وطبعا إذا وضع مجموعة من المصادر المالية والبشرية سيعمل بشكل اكبر في تحقيق هذا. هناك بعض الأهداف التي لم تتحقق واعتقد أن بعضها لا زالت بعيدة عن التحقيق، لكن سنبدأ على مساعدة اليمن في إحراز بعض التقدم.[c1] أولويات المرحلة القادمة[/c]- ما الذي سيضيفه الاجتماع الحالي للبنك في واشنطن لليمن؟-- سيكون النقاش مع وزير التخطيط والتعاون الدولي اليمني على موضوع الأولويات. فلدى البنك بعض الأولويات وسيتم مناقشتها. وسنعرف من الحكومة اليمنية الأفضلية في الأولويات لنبدأ بدراستها. سنعرف من الحكومة التحديات التي يريد البنك إيجاد حلول سريعة لها، بما في ذلك إعادة هيكلة برنامجنا بما يلبي تطلعات الجانب اليمني للمرحلة الجديدة، والأولويات والقطاعات التي يجب أن نركز عليها في المرحلة الحالية.[c1] كلمة أخيرة[/c]- هل من كلمة أخيره تودون قولها في ختام هذا اللقاء؟-- أنا أوصي اليمنيين باليمن. وأقول أن عدم استقرار اليمن سيكلف الأجيال القادمة ثمنا باهظاً.