الجزائر/ 14اكتوبر/ الأمين شيخي ووليام ماكلين: يظهر أحدث هجوم للقاعدة في الجزائر أن التنظيم لايتمتع بنفوذ كبير لكن المحللين يقولون إن الجزائر ليست على وشك الانزلاق مرة أخرى في حالة الصراع التي شهدتها في تسعينات القرن الماضي. وأي تكرار لتفجيرات يوم الثلاثاء التي قتل فيها 30 شخصا على الأقل في مكاتب الأمم المتحدة والمحكمة الدستورية سيضر بثقة المستثمرين وقد يبطئ مساعي الجزائر لإعادة بناء اقتصادها بعد الحرب الأهلية غير المعلنة في التسعينات. ولكن المحللين يقولون إن طموح القاعدة للإطاحة بالدولة باستراتيجيه مماثلة لما يحدث في العراق عن طريق نسف الحياة العادية ووقفها تماما وإثارة انتفاضة إسلامية شاملة يبدو أمرا بعيد المنال. فالقيود التي تواجه المقاتلين وتغير الأوضاع السياسية والدبلوماسية والمالية يعني أن ميزان القوى اليوم يميل لصالح الحكومة أكثر من أي وقت مضى. وقال ولفرام لاتشر المحلل في مؤسسة كونترول ريسكس الاستشارية إن قوات الأمن الجزائرية قتلت عشرة من كبار قادة تنظيم القاعدة في الأشهر القليلة الماضية مما حد من قدرته على شن هجمات منتظمة بمعدل هجوم كل شهر او شهرين. وأضاف "أن القيود المالية والتموينية والمتعلقة بالتجنيد تشير إلى ان التنظيم من المستبعد ان يصعد حملته." قالت نائلة بن رحال المحللة الأمنية بصحيفة النهار اليومية "القاعدة ليست في حالة جيدة على الرغم من قدرتها على ضرب أهداف في العاصمة. بالنظر للتفاصيل نلحظ أن الهجمات لم تزد بل في الواقع تراجعت في الأشهر القليلة الماضية." وكان الوضع مختلفا للغاية في التسعينات عندما حمل عشرات الألوف من المتشددين الإسلاميين السلاح بتأييد ضمني من قطاع من الشعب بعد إلغاء الجيش لانتخابات كان حزب إسلامي على وشك الفوز فيها. وقتل نحو 200 ألف في أعمال العنف التي أعقبت ذلك. وأصبحت الحكومة الجزائرية التي ينقصها المال وتعتمد على المقرضين الأجانب والمنخرطة في حرب قذرة مع الإسلاميين منبوذة فعليا من جانب دول الاتحاد الأوروبي التي اعتبرت إلغاءها للانتخابات عملا غير ديمقراطي. ولم تحرك بعض الدول الأوروبية ساكنا عندما طلبت منها الجزائر ملاحقة مقاتلين إسلاميين طلبوا اللجوء السياسي إلى أراضيها مشيرة إلى مخاوف تتعلق بحقوق الإنسان. ومازال إحجام البريطانيين عن القيام بعمل ضد جماعات إسلامية في لندن في ذلك الوقت يمثل ذكرى سيئة للمسؤولين الجزائريين. لكن الوضع تغير بعد هجمات 11 سبتمبر أيلول في نيويورك. فهرعت الدول الغربية للبحث عن نصائح في مجال مكافحة الإرهاب لدى الجزائر وتعميق العلاقات الدبلوماسية معها. وفي الوقت نفسه وفر ارتفاع أسعار النفط والغاز للجزائر إيرادات استثنائية غير متوقعة. واليوم أصبح لدى الجزائر احتياطيات تبلغ نحو مئة مليار دولار مما يحقق لها الاستقلال المالي الذي كانت تتوق إليه منذ فترة طويلة. وقال عز الدين العياشي أستاذ العلوم السياسية الجزائري بجامعة سانت جونز في نيويورك "ميزان القوى بين الدولة والجماعات المسلحة تغير بدرجة كبيرة." وأضاف "التمرد في التسعينات كان كبيرا وقبيحا والدولة لم تكن مستعدة. واليوم فإن مثل هذه الأعمال لا تهدد الدولة أو استقرار البلاد." وتعزز الدور الاستراتيجي للجزائر كمورد رئيسي للغاز مع ظهور أمن الطاقة كأولوية عالمية. فحقولها النفطية آمنة في الصحراء. وكتب جيف بورتر خبير شؤون شمال إفريقيا في منظمة اوراسيا الاستشارية "إن حقول النفط والغاز الرئيسية في الجزائر بعيدة عن المراكز السكانية الكبيرة على عكس الحال في مناطق إنتاج النفط والغاز في نيجيريا والعراق." ولكن الحديث عن تراجع نشاط القاعدة قد يبدو غريبا في أعقاب هجوم يوم الثلاثاء. فكان استهدافها دقيقا.. ضربت مكتب الأمم المتحدة وهو رمز دولي ضمن تصدر أنباء الهجوم عناوين الأخبار على مستوى العالم. والمفجر الذي هاجم مكاتب الأمم المتحدة كشفت المصادر الأمنية عن هويته باعتباره المقاتل الإسلامي الجزائري المخضرم بشلة رابح الذي كان في العقد السادس من عمره مما يثبت إن القاعدة لا تعتمد فقط على شبان مخدرين أو خضعوا لغسيل مخ في حمل السلاح. لكن التغيرات السياسية الداخلية منذ التسعينات غيرت الساحة الإسلامية. فقد عمل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي انتخب عام 1999 على خفض نفوذ الجيش القوي عادة على اعماال الحكومة اليومية وعرض العفو عن مقاتلين إسلاميين مستعدين للتخلي عن السلاح. وساعد العفو على خفض عدد المتشددين إلى اقل من ألف من نحو 40 الفا. وأبقت الدولة على حوار متعقل مع الإسلاميين والمقاتلين السابقين الذين تخلوا عن السلاح في أواخر التسعينات وانخرطوا الآن في التيار السياسي والثقافي الرئيسي. ويعارض المقاتلون السابقون من أصحاب النفوذ القوي تبني القاعدة للعنف ويشتركون مع المواطن الجزائري العادي في الاستياء من سقوط ضحايا مدنيين في هجمات القاعدة. وقال مدني مزراق أحد ابرز هؤلاء المقاتلين السابقين لرويترز "انه أمر محزن. الشعب الجزائري فاض به الكيل. إلى متى سينتظر حتى يعيش في سلام؟" ولكن ليس كل شيء على ما يرام في الجزائر. فهي لم تتمكن من إصلاح اقتصادها القائم على النمط السوفيتي أو توفير فرص عمل لمجتمع يعاني من ارتفاع معدلات البطالة ونقص في المساكن وارتفاع في أسعار المواد الغذائية. هناك حالة ممتدة من عدم الارتياح الاقتصادي تغذت بانتشار التوتر الناجم عن أعمال العنف في التسعينات مما يدفع ألوفا من الشبان العاطلين لمحاولة الهجرة غير الشرعية كل عام. وقال العياشي "إذ وقع مزيد من العنف فإن ذلك سيؤثر على الوضع الاجتماعي. في حين لم تساعد أسعار النفط والغاز بعد على تحسين الأوضاع الاجتماعية."