بغداد / متابعات :مرت يوم أمس الأول (الخميس) ذكرى بناء عاصمة العباسيين ومنارة الدنيا ودار السلام بغداد التي شيدها المنصور العباسي في العام الهجري 145.وقد استغرق بناء بغداد خمس سنوات لتتحول إلى مركز للثقافة العربية والإشعاع الإسلامي إلى كل الدنيا رغم أن خيول الأجانب وطأت ترابها لأكثر من 20 مرة تفيق بعدها وتسطع من جديد. وتتميز بغداد ببناء أفقي يمتد لنحو 45 كلم طولا ولنحو 50 كلم عرضا وتتكون من 872 حيا سكنيا في طرفيها الكرخ والرصافة.ويقول حسن الكناني الموظف في أمانة بغداد إن الاحتفال بذكرى تأسيس بغداد بدأ منذ العام 1987 حيث يجتمع المختصون بتأريخ المدينة والشعراء وتلقى الخطب التي تتناول تأريخ المدينة وتقام معارض الرسم التي تتناول تأريخ المدينة، إضافة للعديد من المداخلات التاريخية التي تليق بتأريخ هذه المدينة، إلا أن الاحتفالات توقفت في السنوات الأربع الماضية.وينقل أستاذ التأريخ في كلية الآداب بجامعة بغداد خليل الناشي عن الخطيب البغدادي المؤرخ المعروف في وصف بغداد القول "لم يكن لبغداد في الدنيا نظير, في جلالة قدرها وسعة أطرافها وكثرة دورها ومنازلها ودروبها وشوارعها ومحالها وسككها وخاناتها وطيب هوائها وعذوبة مائها وبرد ظلالها وأفيائها واعتدال صيفها وشتائها وصحة ربيعها وخريفها".يضيف المؤرخ الناشي أنه "وقت اختار المنصور ضفة نهر دجلة الغربية - جانب الكرخ حاليا- لبناء عاصمة امبراطوريته المترامية الأطراف التي تمتد من الصين حتى فرنسا وكل إسبانيا سنة 145 للهجرة، كان الخراج على أحسن حال، فقرر المنصور العباسي تخصيص أربعة آلاف وثمانمائة وثلاثة وثمانين (4883) درهما، حيث شرع ببناء المدينة المدورة والمكونة من أربعة أبواب من أشهرها بابا خراسان والشام ولم يودع داره القديمة في منطقة الهاشمية القريبة من الكوفة جنوب بغداد إلا في سنة 149 هجرية عندما اكتمل بناء دار السلام كما كان يطلق عليها".ويروي عبد الحميد الراوي المختص بالتأريخ العباسي أن "الجغرافيين العرب المقربين من الخليفة العباسي المؤسس قالوا له إن بغداد يا مولاي يحدها دجلة والفرات وهما حصنان يقيانها من الأعداء وتحصن بالأسوار والخنادق وقد رزقك الله سورا وخندقا لم يعمل لمثله في سائر مدن الشرق والغرب إنهما دجلة والفرات فلا يأتيك عدو ولا غاصب إلا احتاج إلى عبور، وأنت متوسط للبصرة والكوفة وواسط وأرض السواد (اسم قديم للعراق)، قريب للبر والبحر والجبل، ولذلك اختارها المنصور عاصمة لدولته العربية العريقة".ويختلف الراوي مع أولئك الذين نصحوا الخليفة العباسي باختيار موقع بغداد بعد صراع الأمين والمأمون -نجلي هارون الرشيد- واضمحلال الدولة العباسية صارت بغداد مرتعا للطامعين، "فاحتلها دولة الخروف الأبيض ثم الخروف الأسود قبل أن ينهي المغولي جنكيز خان الوجود العربي ويحتل العراق من شماله إلى جنوبه ويحرق المدينة ويحولها إلى حرائق أتت على أسواقها وحواضرها ومكتباتها ثم ليتوالى المحتلون الواحد بعد الآخر على احتلال المدينة والعبث فيها حتى بلغ عدد المرات التي سقطت فيها المدينة تحت سنابك خيول الأجانب أكثر من 20 مرة آخرها الاحتلال الأميركي الذي مازال جاثما على المدينة". وتتألم السيدة منتهى مديرة إحدى المدارس المتوسطة في بغداد قائلة "كيف نحتفل بذكرى تأسيس أم المدن بغداد والمحتلون يسحقون بأحذيتهم ترابها ويتجولون بدم بارد بعيونهم الزرق وشعورهم الصفراء ووجوههم الفاقعة وكأنهم سكان من كوكب آخر تسلطوا على عاصمة المسلمين .. إنه يوم حزين .. ولكن تأريخ المدينة الحافل بغزوات الطامعين حافل أيضا بانتفاضات أهلها وتصميمهم على طرد الغزاة الأجانب".