أطياف
قال الشاعر الفرنسي «فيكتور هوجو» قبل 200عام في قصيدته «العمل الملعون» . أين يذهب هؤلاء الاطفال ..وقد فارقت البسمة شفاههم ؟أين تذهب بنات الثامنة.. يمشين في الطرقات بمفردهن ؟... إنهم يذهبون إلى العمل تحت الرحى اثنتي عشرة ساعة .عند الفجر يذهبون ..من المهد يختطف العمل الملعون زهرة العمر .عمل لايصنع الثراء إلا حين يصنع البؤس .يستخدم الطفل مثلما تستخدم المطرقة .يهدم الشباب في سن الزهور.. يصف لنا فيكتورهوجو في هذه القصيدة صورة الفتيات الصغيرات وهن ذاهبات إلى العمل . انها لوحة قاسية لازالت تتكرر في مجتمعاتنا بل في عالمنا وهي عمالة الطفل حتى قبل مئتي عام من الآن .وفي حاضرنا جلست طفلة السابعة في أحد الارصفة تبيع السمسمية والفستقية ، وجوز الهند المحلى..ولم يكن الرصيف مكانا لتقتات منه وحسب ، بل المكان الذي تكتب فيه وظائفها وتحقق عبره طموحاتها إلى جانب صندوق الحلوى . أحد الشباب المصورين أراد أن يلتقط لها صورة وهي منهمكة في مذاكر ة دروسها ، لكنها وبكل عزة نفس رفضت قاومت وغطت وجهها بيديها الصغيرتين كلما أراد الشاب تصويرها..وبعد عدة محاولات نجح هذا الاخير في أن يصورها عن بعد عبر عدسة «الزوم» ودون أن تلحظ .فاز المصور بجائزة أفضل صورة لعام 2007 م التي منحها له اتحاد وكالات الأنباء العربية (( قانا)). لعلكم تذكرون طفلة الجمل التي كتبت عنها في هذا العمود قبل عام تقريبا ً ! انها طفلة يمنية في السابعة من عمرها أيضا وقفت بصمود وتحد أمام عناد جمل وسط صحراء محافظة الجوف . طفلة الحلوى وطفلة الجمل وفتيات فيكتور هوجو جسدن معاني الإرادة والتحدي .معاني الشجاعة و الصمود وجسدن معنى المأساة !جميعهن صورن واقعا جميلا وواقعا مريرا ً في ذات الوقت ! واقع عمالة الطفل وواقع التحدي والارادة والصمود .جميل أن تقف طفلة الجمل بصمود لتخضع الجمل الكبير لإرادتها .وجميل أن تتحدى طفلة الحلوى عملها وصعوبة الحياة فتواصل تعليمها .العمل و الارادة !عمالة الطفل !كلاهما يتخذان اتجاهين مختلفين.الأول هو الاتجاه السلبي الذي يضع على كاهل الطفل أعباء ثقيلة تهدد سلامته، ويستغل فيه الطفل كيد عاملة رخيصة عوضاً عن الكبار.والثاني يقدم ملمحا ايجابيا ً لعمالة الطفل كالعمل التطوعي، والأعمال الابداعية التي من شأنها أن تنمي مدارك الطفل ووعيه، ويتعلم من خلالها تحمل المسؤولية.على أن الشائع في عمالة الأطفال هو الاتجاه الأول السلبي.أما أسباب عمالة الأطفال فهي مرتبطة أولاً بالفقر، ومن ثم تأتي أسباب أخرى لا تقل أهمية عن الفقر مرتبطة بالمستوى الثقافي للأسرة التي تمتلك المعرفة لتقدير العلم وضرورته للأطفال. كثيراً ما نسمع تعليقات من الأهل تدفع الأبناء لتعلم صنعة ، وتدفع بهم إلى ميدان العمل، خاصة في ظل البطالة التي تتفاقم حتى عالمياً . ومن الأسباب أيضاً: إهمال العمل بقانون التعليم الإلزامي.عمالة الطفل والفقر مشكلة عالمية قديمة حديثة يقع حلها دولياً على عاتق منظمات العمل الدولية، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونيسكو» ومؤسسة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة «اليونيسيف» ومنظمة الصحة العالمية، على أن يكون هناك مؤسسات للدولة أو مؤسسات عمل أهلي تعنى بهذه الظاهرة. خاصة أنها ظاهرة تتفاقم جيلا بعد جيل بل يوما بعد يوما،ً ولعل تحسين الشرط الاقتصادي هو حجر الأساس لإنهاء هكذا ظاهرة. وفي تقديري أنه بالرغم من قسوة العمل على الأطفال.. وبالرغم من قسوة الفقرعلى الجميع فإنه لابد أن يحاول الانسان أن يصنع طريق سعادته بإرادته، وأن يتحدى قسوة الحياة حتى بين الشوك.. كما فعلت طفلتا الجمل والحلوى .
