عندما يقول رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي إن “المعركة ليست في الجبهات وحدها، بل أيضاً معركة على الرواية”، فهو يضع الإصبع على الجرح. فالحرب في اليمن لم تعد قذائف وبنادق فقط، بل تحولت إلى صراع مفتوح على العقول، وعلى من يملك الحق في سرد الحقيقة.
في لقائه مع وزير الإعلام وقيادات المؤسسات الإعلامية بالرياض، لم يقدم الرئيس خطاب شكر تقليدياً للإعلاميين. بل وضعهم أمام مسؤولية تاريخية. اعترف أولاً بالتضحية وبـ “الإمكانات المحدودة” التي يعمل بها هذا القطاع، ثم انتقل مباشرة إلى التشخيص: هناك فراغ، وهذا الفراغ تملؤه المليشيات الحوثية المدعومة إيرانيا بروايتها المضللة، وبخرافتها، وبأكاذيبها التي تتكرر حتى تتحول إلى “حقيقة” عند الناس لمجرد أن الدولة تأخرت في تفكيكها بالوثيقة والرقم والشهود والصورة.
التشخيص خطير لأنه يكشف أن جزءاً من هزيمتنا في معركة الوعي ليس بسبب قوة رواية الخصم، بل بسبب تأخرنا نحن. “لا نريد إعلاماً يرد فقط، نريد إعلاماً يبادر”، هذه الجملة وحدها تلخص الأزمة. فطوال السنوات الماضية اشتغل الإعلام الحكومي والجمهوري في الغالب كرد فعل. حدث يقع، فتخرج بيانات النفي. ادعاء حوثي ينتشر، فنبدأ في دحضه بعد فوات الأوان. بينما المعركة الحقيقية تتطلب مبادرة واستباقاً وتخطيطاً.
الرئيس العليمي يطرح هنا سؤالاً جوهرياً: من أشعل الحرب؟ من أفشل السلام؟ من استهدف موارد اليمنيين؟ من يهدد الملاحة الدولية؟ هذه ليست أسئلة بلاغية. هي عناوين يجب أن تتحول إلى ملفات تحقيق، وإلى تقارير استقصائية، وإلى مواد بصرية موثقة، تصل للناس قبل أن تصلهم رواية الطرف الآخر. فالمعلومة التي تتأخر دقيقة واحدة تخسر المعركة.
اللافت في طرح الرئيس أنه لم يجلد الإعلام، بل منحه شرعية “قلب المعركة الوطنية”. وأشاد بكل صحفي ظل متمسكاً بمؤسسات الدولة ورسالتها المهنية رغم كل شيء. لكنه في المقابل طالب بتحول جذري. تحول من إعلام البيانات إلى إعلام الرواية. من إعلام ردود الأفعال إلى إعلام يصنع الحدث ويؤطره.
وهنا تأتي النقطة الثانية في التشخيص: تعدد المنابر. يرى الرئيس أن تعدد المنابر في المعسكر الجمهوري ليس ضعفاً، بل “مصدر قوة إذا كانت الوجهة واحدة”. وهذه معادلة صعبة. فواقع الحال يقول إن لدينا أصواتاً كثيرة لكنها غير منسقة، ومواد متكررة، وغياباً لتبادل المعلومات والخبرات. النتيجة أن الجمهور يتوه، والخصم يستفيد. المطلوب اليوم ليس مزيداً من القنوات، بل شبكة عمل واحدة تشعر فيها كل مؤسسة أن نجاح الأخرى هو نجاحها.
ويبقى البعد الخارجي. فالرئيس يربط المعركة الإعلامية بالشراكة مع السعودية، ويطالب بامتداد هذه الشراكة إلى المجال الإعلامي. وهو أمر منطقي. فمواجهة آلة التضليل الإيرانية تحتاج إلى تحالف إعلامي عربي يمتلك القدرة على الوصول، وعلى الإنتاج المهني، وعلى مخاطبة العالم بلغة يفهمها.
خلاصة القول: ما طرحه الرئيس العليمي هو اعتراف بأننا خسرنا جولات في معركة الوعي، ودعوة صريحة لكسب الجولات القادمة. السؤال الآن ليس عن النوايا، فالنوايا موجودة. السؤال عن الأدوات: هل نمتلك إعلاماً قادراً على المبادرة؟ هل نمتلك غرف أخبار تعمل على مدار 24 ساعة؟ هل نمتلك القدرة على توثيق الجرائم والانتهاكات وتحويلها إلى رواية عالمية؟
الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد من سيكتب رواية هذه الحرب في التاريخ.
