هل نحن نعيش في “مركز شرطة كبير”؟
هل يجد الافراد أنفسهم مراقبين ثم مدانين بتهم لا يعلمون عنها شيئا!
هل يعلمون ان حياتهم مرصودة ضمن “قاعدة بيانات” ضخمة؟
تخيل معي ان كل ما تفعله اثناء استخدامك لجهاز تلفونك او جهاز الكمبيوتر خاصتك وانت متصل بشبكة الانترنت، يتم رصده وتوثيقه ضمن قاعدة بيانات تحتوي على كل ما صدر منك اثناء استخدامك لما يسمى بمواقع التواصل الاجتماعي.
تفاعلك مع ما تقرأ، ردودك، تفضيلاتك الشخصية، ما يشد انتباهك، نوع الموسيقى التي تحبها، المواقع التي تدخلها باستمرار والروابط الاليكترونية التي تفتحها، كل ذلك مما يشكل صورة عنك وعن شخصيتك وتركيبتك النفسية، ناهيك عن تفاصيل أخرى تشمل اسمك وعنوانك وأماكن سفرك وتنقلاتك ومعلومات هويتك وحساباتك البنكية. كل ذلك تحت المراقبة والتوثيق. وكذلك أسماء وتفاصيل ما لا يحصى من البشر من مستخدمي وسائل التكنولوجيا الحديثة بكل اشكالها.
الافظع من ذلك، ان هناك ما يسمى بـ “الخوارزمية” وهي التقنية التي تستخدمها التطبيقات والبرامج الاليكترونية في تتبع ورصد حسابات الافراد المستخدمين. وبناء على ذلك الرصد يتم تصنيف كل فرد “خوارزميا” بحسب المعلومات المجمعة عنه في قاعدة البيانات الضخمة آنفة الذكر. وبما ان الخوارزمية ليس لها عقل ولا منطق ولا قلب كالذي عند الانسان، فتوقع ان تجد اسمك يوما ضمن قائمة المجرمين او المعارضين السياسيين او المتحرشين جنسيا، وما الى ذلك من التهم الكثيرة التي تكون، في اغلب الحالات، ابعد ما تكون عنك. كل ما في الامر انك تبدي رأيا سياسيا او تناقش قضايا مجتمعية على منصات التواصل الاجتماعي، وبما ان كل اعجاب وزيارة للمواقع وفتح للروابط الاليكترونية مرصود ومسجل فأنت لديك “ملف كامل متكامل” عن شخصيتك وشكلك مؤرشف لدى مكتب “الشرطة الخفية” ويتم تحديثه يوميا على مدار الدقيقة والساعة.
والأخطر من ذلك، ان لدى محركات الذكاء الاصطناعي خاصية التنبؤ بالمستقبل، وعليه فإنه يتم التنبؤ بما ستفعله في المستقبل بناء على ما تم رصده عنك من معلومات في قاعدة بياناتك، فإن وجدت نفسك يوما على قائمة الممنوعين من السفر، او على قائمة الإرهابيين او المتحرشين او المعارضين السياسيين، فلا تتفاجأ عزيزي مستخدم أدوات التكنولوجيا. أنت مراقب منذ زمن. ويمكن استهدافك بسهولة.
الخلاصة، هل سيجد البشر أنفسهم “ضحايا” احكام خوارزمية خفية لا يمكن مساءلتها او مواجهتها؟ هل نحن حقا نعيش في “سجن كبير” لا جدران ولا أبواب له؟!!
والأدهى من ذلك، ان تسأل هذا السؤال: من الذي يحكم ويتحكم بهذا السجن؟ تساؤلات مخيفة لا إجابات واضحة لها، في زمن يتسارع فيه التقدم التكنولوجي ممثلا بثورة الذكاء الاصطناعي يقابله الجهل وانعدام الوعي من قبل غالبية عظمى من مستخدميه.
وعلى الجانب الآخر، يبرز تساؤل آخر غاية في الأهمية، حيث أصبح استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي ضرورة عصرية لا مناص منها. السؤال هو، هل تستطيع تعليم الذكاء الاصطناعي الاخلاق الانسانية؟
الجواب: نعم تستطيع!
طريقتك واسلوبك في التحدث مع الذكاء الاصطناعي تصنع فارقا. طريقة كتابتك للأوامر التي تلقنها له تصنع فارقا. عدم إعطائه المصادقة والموافقة الكاملة على كل مخرجاته واجاباته لك يصنع فارقا. مراجعة وتصحيح ردوده يصنع فارقا.
ستجد ان الذكاء الاصطناعي بعد فترة من التعامل معك، سواء كان التواصل بالصوت او الكتابة، ستجده بدأ بتقليدك ومحاكاة اسلوبك ومراعاتك للمعايير الأخلاقية والإنسانية في ردوده على اسئلتك. وتخيل معي لو ان اعدادا كبيرة من مستخدمي ادوات الذكاء الاصطناعي تعاملوا معه بأخلاق إنسانية رفيعة، ألن يخلق ذلك في المستقبل جيلا من الذكاء الاصطناعي واعيا أخلاقيا وحريصا على القيم الإنسانية. لا اشك في ذلك.
هنا، وهنا فقط، يمكن ان يحدث التكامل بين الانسان والذكاء الاصطناعي، لكن ذلك لن يحدث بين عشية وضحاها. يلزم الامر عقدا كاملا من الزمن، بداية من وقتنا الراهن، لكي يتحقق هذا التكامل. وذلك حسب دراسات واستقراءات من متخصصين في دراسة العلاقة بين برامج الذكاء الاصطناعي ومستخدميه من بني الانسان.
