إن القوانين والتشريعات اليمنية لا تُعد مجرد نصوص قانونية تنظم العلاقة بين السلطات المركزية ومكاتبها التنفيذية في السلطات المحلية ووحداتها الإدارية، أو تحدد الاختصاصات بين الهيئات والمؤسسات العامة فقط، بل تُجسد في جوهرها مشروعاً وطنياً متكاملاً للإدارة الرشيدة، والحكم المحلي، والتنمية المستدامة، وبما يهدف إلى تمكين الأداء والمهام بكفاءة وفاعلية، وتعزيز قدرتها على تقديم الخدمات، وتنفيذ البرامج والخطط التنموية التي تلامس احتياجات المواطنين وتطلعاتهم.
وفي ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها الوطن، وما أفرزته سنوات الحرب والانقسام من تحديات سياسية واقتصادية وإدارية، فإن ما يشغل المواطن اليوم ليس الانخراط في جدل نظري حول استحداث تشريعات جديدة أو إعادة رسم نماذج الإدارة والحكم، خاصة في ظل غياب السلطة التشريعية بمؤسساتها الكاملة، إضافة إلى ما يشهده الوطن من تشظٍّ وتقسيمات وجراحات غائرة لم تندمل بعد. لذا، فإن ما يشغل المواطن اهتمامه الحقيقي في الحصول على خدمات أساسية مستقرة وذات جودة، وتحقيق إصلاحات عملية وشاملة لكافة القطاعات الحيوية كونها ذات أولوية، وبما ينعكس مباشرةً على حياته اليومية وأوضاعه المعيشية. فالكهرباء، والمياه، والصحة، والتعليم، والطرق، و... تُعد أولويات يجب الاهتمام والنهوض بها.
أما ما يتعلق بتحديد شكل الدولة وأنظمة الحكم وتحديث القوانين وتطويرها، وهيكلتها، فإنه بحاجة إلى دراسات شاملة وأبحاث علمية ومراجع شاملة، وتوافقات، تراعي الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية في ربوع الوطن، حيث تُعد مخرجات الحوار الوطني الشامل أقرب وأبرز ما تناول ذلك، وفيما يتعلق بتحديث فقرات أو أجزاء بسيطة تتواكب مع المتغيرات، والصالح العام فإنه لا يحتاج إلى إجراءات استثنائية أو معالجات معقدة. كما أن التشريعات ليست نصوصاً جامدة أو مقدسة لا تقبل المراجعة والتطوير. ومن مهام الحكومة، بما تمتلكه من أجهزة تنفيذية ومؤسسات مختصة، مناقشة وإقرار ما تقتضيه الحاجة من تعديلات وتحديثات تشريعية متى ما توفرت الإرادة الصادقة والرؤية الواضحة، والإيمان المطلق بأن الوطن للجميع وفوق كل الاعتبارات والرؤى الضيقة، واعتبار الأولوية الوطنية في هذه المرحلة لا تكمن في إنتاج المزيد من القوانين، وإنما في التطبيق السليم والكامل للتشريعات والقرارات النافذة، وتعزيز مبادئ الاستقلال المالي والإداري، وتطوير القدرات المؤسسية، وبناء أنظمة معلومات محلية حديثة تُسهم في دعم صناعة القرار التنموي واستدامته، وتفعيل كافة الأدوات والإجراءات التي نصت عليها القوانين القائمة، انطلاقاً من مبدأ راسخ مفاده: قوة القانون لا قانون القوة.
وهنا تبرز تساؤلات مشروعة تستحق التأمل والوقوف عليها: ما نسبة التطبيق الفعلي للتشريعات القائمة؟ وهل استُنفدت جميع النصوص القانونية المتاحة، وثبت قصورها وعدم جدواها حتى يصبح الحل في سن تشريعات جديدة؟ وما حجم التجاوزات والانتهاكات التي تشهدها بعض القضايا نتيجة تغليب المصالح الشخصية ومراكز النفوذ على مقتضيات القانون وأحكامه؟
إن جوهر المشكلة لا يكمن في قدم القوانين أو غيابها، وإنما في تعطيلها أو الانتقائية في تطبيقها أمام أصحاب النفوذ. فماذا يمكن أن يضيف أي تشريع جديد إذا كانت النصوص القائمة لا تزال تواجه التجاوز والتعطيل؟
إن القوانين ليست خيارات انتقائية، بل مرجعيات ملزمة، والإجراءات القانونية ليست عوائق بيروقراطية بل ضمانات لتحقيق العدالة والشفافية. والمناصب العامة ليست امتيازات تمنح الحصانة، وإنما مسؤوليات تفرض المساءلة، ويبقى الجميع أمام سيادة القانون سواء.
لقد أثبتت التجربة اليمنية خلال العقد الأخير، وما شهدته البلاد من حروب وصراعات وانقسامات، أن مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها السلطات المحلية، ظلت قائمة تمارس مهامها وأنشطتها في حدود الإمكانات المتاحة، مستندة إلى الأطر القانونية والتشريعية النافذة. ورغم ما شاب الأداء من أوجه قصور، وما رافقه من تجاوزات ومخالفات، أُسهمت حالة الفراغ الناجمة عن ضعف حضور الحكومة المركزية في اتساع بعض تلك الاختلالات، إلا أن استمرار العمل من خلال ما تبقى من مؤسسات الدولة وهياكلها الإدارية، والاحتكام إلى التشريعات القائمة، بل والعمل أحياناً بروح القانون ومقاصده، كان عاملاً مهماً في الحفاظ على الحد الأدنى من استمرارية الأداء المؤسسي للدولة.
ومن خلال هذه المؤسسات استمرت جهود تقديم الخدمات العامة للمواطنين، وتنفيذ المشاريع التنموية والخدمية والطارئة، وفق الإمكانات المتاحة والظروف الاستثنائية المحيطة، الأمر الذي يؤكد حقيقة جوهرية مفادها أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في قصور التشريعات أو ندرتها، وإنما في مدى الالتزام بتطبيقها وتنفيذها بصورة صحيحة ومتكاملة، بعيداً عن الانتقائية والتأويلات التي تُفرغ النصوص القانونية من مضمونها.
إن بناء الدولة لا يبدأ من تضخم المنظومة التشريعية، بل من احترام القانون وتفعيل مؤسساته، وترسيخ ثقافة المساءلة والمواطنة المتساوية، وتحويل النصوص القانونية من حبر على ورق إلى واقعٍ عملي يلمسه المواطن في خدمات أفضل، وإدارة أكثر كفاءة، وتنمية أكثر استدامة. فحين تسود سيادة القانون، وتُقدم المصلحة العامة على المصالح الضيقة، تصبح التشريعات أدوات فاعلة لبناء الدولة، لا مجرد وثائق تُضاف إلى أرشيفها.
(واقعة حقيقية)
في إحدى القضايا التي أثارت اهتمام الرأي العام، كانت زوجة رئيس الوزراء الدنماركي السابق Lars Lokke Rasmussen تعمل معلمة في مدرسة بشكل طبيعي، وعندما واجهت مشكلات مهنية تتعلق بأدائها الوظيفي، استدعتها إدارة المدرسة لاجتماع رسمي لمناقشة الأمر واتخاذ ما يلزم، وبموجب القانون، كان من حقها اصطحاب مرافق كشاهد على الجلسة، فاختارت زوجها رئيس الوزراء ليحضر معها، ورغم وجود أعلى سلطة تنفيذية في البلاد داخل الاجتماع، لم تتراجع الإدارة عن تطبيق الإجراءات المؤسسية واتخاذ ما يلزم وفقاً للقانون، وانتهى الأمر بإنهاء عملها وفقًا للوائح المعمول بها.
المثير أن الجدل الإعلامي لم يُركز على المُدرسة، بل على رئيس الوزراء نفسه، حيث اعتبر البعض حضوره محاولة ضغط معنوي، حتى وإن لم يؤثر على القرار النهائي.
هذه الواقعة تكشف بوضوح معنى احترام القانون واحترام الإجراءات واحترام قوة المؤسسات الحقيقية، والتي لا تُقاس بوجود شخصيات نافذة في المشهد، بل بقدرة القوانين والإجراءات على الاستمرار دون انحناء أمام النفوذ.
فجوهر الدولة المؤسسية ليس في عظمة المناصب، بل في عظمة النظام الذي يجعل الجميع أمام القانون سواء.
