وداعاً يا أستاذ...
غيّب الموت فجر السبت 6 مايو 2026 أحد آخر أعمدة المسرح اليمني، وهرماً من أهرام الثقافة العدنية: «سعيد علي عولقي»، مؤلف مسرحية «التركة» التي صارت أكثر من نص... صارت عنواناً لضمير شعب.
ولد سعيد عولقي عام 1946، لكنه لم ينتظر شهادة ليعترف به الناس. في 1965، وهو في التاسعة عشرة، كان أحد مؤسسي «فرقة الجنوب للمسرح». وبعد 4 سنوات فقط، أسس مع رفاقه «فرقة المسرح الحديث». لم يكن يبحث عن منصب، كان يبحث عن خشبة يوقظ بها وعي الناس. وعندما دخل وزارة الثقافة عام 1978 لم يدخلها ليترقى، بل ليؤسس «قسم الأبحاث والدراسات المسرحية» ويكون رئيسه. ثم أدار «مجلة الفنون» عند صدورها 1980، وترأس اتحاد الأدباء والكتاب بعدن 1987.
من مدير عام الثقافة في صنعاء 1990، إلى مدير عام المؤسسة العامة للمسرح والسينما بقرار جمهوري 1995... كل المناصب التي مرّ بها العولقي كانت أدوات، لا أهدافاً. هدفه كان واحداً: أن يكون للمسرح اليمني تاريخ مكتوب، وذاكرة محفوظة. فكتب «سبعون عاماً من المسرح في اليمن» 1983، فصار المرجع الذي لا يستغني عنه باحث. وكتب رواية «السمار الثلاثة» و«شقلبانيات» فأثبت أن السخرية عنده سلاح نقد، لا تسلية.
لو سألت أي يمني عن مسرحية واحدة علقت في ذاكرته، سيقول لك: «التركة». مسرحية تحولت إلى مثل شعبي. لأن العولقي لم يكتب حواراً، كتب واقعاً. لم يمثل على الخشبة، مثلّ ما يجري في الشارع. حتى قصته «الخلافة» ترجمت للإنجليزية ودخلت مناهج الأدب العربي الحديث في جامعات الغرب. كان يمنياً في لغته، إنسانياً في رسالته.
ماذا خسرنا اليوم؟ خسرنا قلماً ساخراً كان يجرح ليعالج. خسرنا مناضلاً ثقافياً لم يبدّل مواقفه مع تغيّر الحكومات. خسرت عدن صوتها الذي يذكّرها بأن الثقافة ليست زينة، بل هوية، وخسر اليمن واحداً من أنبل وأشرف قاماته.
رحل الجسد، لكن «التركة» باقية. وبقاؤها مسؤولية. مسؤولية وزارة الثقافة أن تحفظ أرشيفه. ومسؤولية المسرحيين أن يعيدوا مسرحياته للخشبة. ومسؤوليتنا نحن أن نقرأه لأبنائنا.
سعيد عولقي لم يمت. الأستاذ لا يموت... يتحول إلى منهج.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
اللهم اجعل قلمه صدقة جارية، وارحمه رحمة تطمئن بها نفسه.
