في التاسع عشر من يناير 2026 تحلّ الذكرى الثامنة والخمسون لتأسيس صحيفة «14 أكتوبر»، هذه الصحيفة التي لم تكن يومًا مجرد إصدار صحفي عابر، بل كانت منذ انطلاقتها علامة فارقة في تاريخ الصحافة الوطنية، ومسارًا خالدًا في صناعة الوعي العام. ثمانية وخمسون عامًا من العطاء المتواصل، تشكّل خلالها تاريخها عبر مسارات متعددة، تأثرت بتحولات سياسية وثقافية واجتماعية عميقة، رافقت المدينة التي ارتبط اسم الصحيفة بها، تلك المدينة التي وُصفت بالعاصمة، لا من حيث الموقع وحده، بل من حيث الدور الريادي والحضور المؤثر.
وبعيدًا عن السرديات التقليدية التي قد يتولاها من هم أكثر خبرة ودراية بتفاصيل المراحل والتحولات، يمكن التوقف عند صحيفة «14 أكتوبر» بوصفها مدرسة عظيمة في العمل الصحفي، أسهمت في ترسيخ تقاليد مهنية رفيعة، وقدّمت نموذجًا للصحافة المسؤولة التي تؤمن بأن الكلمة موقف، وبأن الصحافة رسالة قبل أن تكون مهنة.
تعاقب على إدارة الصحيفة ورئاسة تحريرها نخبة من القامات الصحفية والفكرية، ممن تركوا بصماتهم الواضحة في مسيرتها، وأسهموا في بناء شخصية مهنية متزنة، تجمع بين الالتزام الوطني والانفتاح الثقافي. كما ضمّت طواقمها التحريرية على امتداد تاريخها مبدعين قلّما يجتمعون في مؤسسة واحدة؛ صحفيين محترفين، وكتّاب رأي، ومثقفين، وأدباء، وفنانين، لكلٍّ منهم صوته الخاص وأسلوبه المتفرّد، وهو ما منح الصحيفة ثراءً فكريًا وتنوعًا معرفيًا ميّزها عن غيرها.
ولم تكتفِ صحيفة «14 أكتوبر» بتاريخها أو بتكوينها المؤسسي، بل تميّزت بقدرتها على احتضان أقلام لا تتكرر، أقلام وجدت في صفحاتها مساحة حرة للتعبير، ونضجت تجاربها في أروقتها، وتحولت كتاباتها إلى علامات مضيئة في المشهد الإعلامي والثقافي. كانت الصحيفة حاضنة للمواهب الشابة، ومنصة حقيقية للطاقات الجديدة، تمنحها الثقة دون أن تفرّط بمعايير المهنة أو تنحاز للسطحية.
كما أدّت «14 أكتوبر» دورًا مهمًا في توثيق المراحل المفصلية من تاريخ الوطن، فكانت شاهدًا على الأحداث، ومرآة لنبض الشارع، وذاكرة مكتوبة تحفظ تفاصيل الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية. وبين الخبر والتحقيق والمقال، ظلّ خطها التحريري منحازًا لقضايا الناس، ومدافعًا عن قيم الحرية والعدالة، ومؤمنًا بأن الكلمة الصادقة قادرة على إحداث التغيير.
وعلى الرغم مما واجهته الصحيفة، كغيرها من المؤسسات الإعلامية، من تحديات قاسية فرضتها المتغيرات السياسية والاقتصادية والتقنية، فإن اسم «14 أكتوبر» ظل حاضرًا في الذاكرة الجمعية، باعتباره رمزًا للصحافة الجادة، ومدرسة خرّجت أجيالًا من الإعلاميين الذين حملوا رسالتها إلى منابر أخرى، وبقوا أوفياء لقيمها المهنية.
وفي ذكرى تأسيسها الثامنة والخمسين، لا يُستعاد تاريخ صحيفة «14 أكتوبر» بوصفه أرشيفًا من الماضي فحسب، بل باعتباره رصيدًا وطنيًا وثقافيًا، ومسارًا خالدًا سيظل شاهدًا على أن للكلمة دورًا، وللصحافة رسالة، وللمؤسسات العريقة مكانتها التي لا تزول بتغيّر الأزمنة أو تبدّل الظروف.
ورغم هذا التاريخ الحافل بالعطاء الوطني، وما قدّمته صحيفة «14 أكتوبر» للوطن والجمهور دون كلل أو ملل، فإن موظفيها لا يزالون يعانون من ضعف هيكل الأجور والمرتبات، في مفارقة مؤلمة مع ما تحظى به مؤسسات صحفية حكومية أخرى من هياكل خاصة وموازنات ضخمة. إن صحيفة صمدت في وجه الظروف القاسية، وكابدت الويلات لتواصل أداء واجبها الوطني في أحلك المراحل، لهي جديرة اليوم بنظرة إنصاف ومساندة حكومية جادة، تعيد النظر في أوضاعها المالية، وتنصف كوادرها، وتمنحها ما تستحقه من تقدير يتناسب مع تاريخها ورسالتها ودورها الوطني.
