نبض القلم
زكاة الجاه، مصطلح نستحدثه للدلالة على قضاء حوائج الناس، باعتبارها عبادة تسمو على سائر العبادات، بل وأزكاها ،وهي أحب إلى الله ورسوله من الاعتكاف، وفي ذلك يقول النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم: ( لأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن اعتكف في مسجدي هذا) .وقد سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن أي الناس أحب إلى الله؟ فقال صلوات الله عليه: (أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس) وقال في حديث آخر: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا و في الآخرة، والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه). وليس بخاف أن قضاء حوائج الناس عبادة سامية، وأجرها عند الله عظيم، وتعود ثمار هذه العبادة، فيقول: (إن لله خلقاً خلقهم لحوائج الناس، يفزع الناس إليهم في حوائجهم، أولئك الآمنون من عذاب الله). ونفهم من ذلك أن زكاة الجاه لاتقل ثواباً عن زكاة المال، فجزاؤها الجنة والنجاة من النار، فالجاه في نظر الإسلام نعمة من النعم التي وهبها الله لبعض عباده، وزكاتها قضاء حوائج الناس ، وجزاؤها كبير عند الله ، وزكاة الجاه عبادة تؤتي ثمرات جليلة تتمثل في الآتي : إنها تجعل صاحبها آمناً من عذاب النار يوم القيامة ، كما سبق .إنها تعين صاحبها على اجتياز الصراط يوم القيامة، عند دحض الأقدام. إنها ترفع صاحبها الدرجات العلى في الدنيا وفي الآخرة. وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (من كان وصله لأخيه إلى ذي سلطان في مبلغ بر أو إدخال سرور، أو تيسير عسير أعانة الله على إجازة الصراط يوم القيامة عند دحض الأقدام ، ورفعه في الدرجات العلى في الجنة).وإنه بالقدر الذي تحظى به زكاة الجاه هذه المكانة الرفيعة من الأجر والثواب، فإنها إذا لم تؤد بوجهها الصحيح قد تنقلب وبالاً على صاحبها، لأنها عنئذ قد تتحول إلى ما يمكن تسميته داء الوساطة. ومعروف أن داء الوساطة في بلادنا قد انتشر واستفحل، فأفسد كل صالح، وأضاع كل حق، وجعل عامة الناس يحسون بأنهم يعيشون بين ذئاب وثعالب، فهم يستطيعوا نيل حقوقهم إلا بالأظافر والمخالب، حتى أن الواحد منهم لا يستطيع أن يقضي حاجة من حاجاته إلا بوساطة أو قرابة، فهو لا يستطيع أن يداوي نفسه إذا كان فقيراً في المستشفيات المجانية إلا بتوصيته من طبيب أو بتوجيه من متنفذ، وفي كثير من الحالات تكون هذه التوصية مقرونة بهدية أو رشوة، وهو لايستطيع كذلك الحصول على وظيفة ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ إلا بوساطة ، وهكذا فإن الجاه في مثل هذه الحالات يتحول إلى نقمة بدلاً من أن، يكون نعمة .وفي ظل انعدام زكاة الجاه وانتشار داء الوساطة أصبح الناس في مجتمعنا لا يثقون بقادتهم، ولا يحلون مشكلاتهم إلا بالرشوة، ولا يقضون حاجاتهم إلا بالوساطة لدى أصحاب الشأن والنفوذ متناسين قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (من شفع شفاعة لأحد، فأهدى له هدية عليها فقبلها، فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الكبائر). والتهادي بين الناس أمر مستحب في الإسلام لكونه يشد أواصر الود، أما إذا كان فيه شيء من الريب كالرشوة فهو منهي عنه في ديننا، وليعلم القادة الذين أولاهم الله نعمة الجاه والمنصب والسلطة والنفوذ أن عليهم واجب السعي في قضاء حوائج الناس، وليس إعانة الأقارب على الباطل وإعطائهم مالايستحقون، فإنهم بذلك يعرضون أنفسهم لغضب الله، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم: (من أعان ظالماً بباطل ليدحض به حقاً فقد برئ من ذمة الله وذمة رسوله).[c1] خطيب جامع الهاشمي (الشيخ عثمان)[/c]
