الرئيس كان صريحاً عندما قال إن الدولة اليوم باتت أكثر قدرة وتماسكاً واستعداداً لحماية مواطنيها ومؤسساتها ومصالحها السيادية. هذا التماسك لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة أربع سنوات من العمل على توحيد القرار السياسي والعسكري والأمني والاقتصادي، وإعادة ترميم مؤسسات انهارت تحت وطأة الانقلاب والانقسام وتراجع الموارد. فكرة تشكيل مجلس القيادة الرئاسي نفسها كانت اختباراً لإمكانية تحويل مكونات متناثرة إلى جبهة واحدة، واليوم يمكن القول إن هذا الاختبار أثمر جبهات متزامنة من مأرب إلى تعز إلى شبوة والضالع وحجة، بعد أن كانت مأرب تقاتل وحدها في مواجهة المليشيات.
التحول الأكبر الذي أعلنه الرئيس يتعلق بمقاربة السلام والحرب معاً. فتجربة عشر سنوات أثبتت أن الهدنة عند الحوثيين لم تكن سوى استراحة محارب لإعادة بناء القدرات والعودة إلى الحرب. لذلك جاء التأكيد واضحاً: لا هدنة جديدة تعيد إنتاج التجارب السابقة، ولا عمل للمليشيات دون ردع متكامل. هذا الموقف يستند إلى واقعين، الأول داخلي يتمثل في وجود قوات مسلحة تخضع لغرفة عمليات واحدة وقيادة موحدة، والثاني خارجي يتمثل في تحول جوهري في السردية الدولية. لم يعد السؤال العالمي هو كيف نستوعب الحوثيين بالحوافز والتسويات، بل كيف نحمي الدولة اليمنية وكيف نحمي المنطقة والممرات المائية من تهديد مشروع مرتبط بإيران. تصنيف واشنطن للمليشيات كجماعة إرهابية وإدراج شبكاتها المالية على قوائم العقوبات لم يكن إلا ترجمة لهذا التحول الذي خاضت الدولة معركة دبلوماسية طويلة من أجله.
لكن المعركة الحقيقية القادمة ليست في الجبهات فقط، بل في الاقتصاد وفي حياة الناس. استهداف المنشآت النفطية في أكتوبر 2022 كلف الدولة 70 بالمئة من مواردها وأكثر من 40 مليون دولار أضراراً. ورغم ذلك تتحدث الحكومة اليوم عن إعادة تصدير النفط كقرار سيادي، وعن مضاعفة الإيرادات غير النفطية بنسبة 100 بالمئة، وعن أمل في الوفاء بفاتورة الرواتب من الموارد الداخلية بنهاية العام. هذا الحديث يعني شيئاً واحداً: استعادة السيادة على المال العام. كما أن التزام الدولة بدفع رواتب موظفي مناطق سيطرة المليشيات وفق كشوفات 2014 فور تأمين الموارد، هو إعلان أن المعركة ليست ضد مواطن ولا منطقة ولا قبيلة، بل من أجل مواطن يحصل على راتبه وخدمته دون جبايات تمول الحرب.
وفي ملف معقد مثل القضية الجنوبية، كان الخطاب متزناً وحاسماً في آن. وصفها الرئيس بأنها قضية سياسية عادلة نتجت عن مظالم تراكمت لعقود، وجدد الالتزام بمخرجات الحوار الجنوبي-الجنوبي الذي تستضيفه السعودية، مع التأكيد أن استعادة مؤسسات الدولة لا تعني العودة إلى ما قبل الحرب أو إعادة إنتاج المركزية. وفي حضرموت كان الرد أوضح: المحافظة ليست بئر نفط فقط، بل تاريخ وثقل اقتصادي وموقع استراتيجي، ولها الحق في حصتها من الموارد، لكن ضمن مبادئ الحوكمة والشفافية حتى تتحول إلى قاطرة للتنمية واللامركزية.
الرسائل التي ختم بها الرئيس اللقاء كانت موجهة إلى الجميع. لليمنيين: لا تفقدوا الثقة بالدولة التي صمدت رغم الانقلاب والإرهاب والانهيار. للقوات المسلحة: دماء الشهداء أمانة، وقوتكم ليست بالسلاح فقط بل بالقيم التي تحملونها. للمجتمع الدولي: ساعدونا على إنهاء الحرب لا على إدارتها إلى ما لا نهاية، فالسلام لا يقوم على تقاسم السيادة بين دولة ومليشيات. وللحوثيين: الفرصة ما زالت متاحة لإلقاء السلاح والعودة إلى الحياة السياسية والتنافس عبر صناديق الاقتراع.
خلاصة القول، إن اليمن انتقل من مرحلة الدفاع عن الوجود إلى مرحلة الدفاع عن الدولة. من إدارة الأزمة إلى محاولة بنائها. التماسك السياسي والعسكري اليوم موجود، والسردية الدولية تغيرت، والإرادة الاقتصادية بدأت تتشكل. لكن الاختبار الأصعب لم يبدأ بعد. الاختبار هو أن يرى المواطن في عدن وتعز ومأرب وحضرموت أثر هذا التماسك في راتب منتظم، وكهرباء مستمرة، وخدمة تصل، وأمن يحمي. عندها فقط يمكن القول إننا فعلاً انتقلنا من إدارة الحرب... إلى بناء الدولة.
للتأمل:
بعد عقد كامل من الحرب، لم يعد المطلوب من الدولة أن تبرر وجودها فقط، بل أن تثبت جدواها.
الخطاب السياسي اليوم موحد، والجبهات العسكرية متزامنة، والسردية الدولية تغيرت. كلها مكاسب حقيقية كان يحلم بها اليمنيون قبل 4 سنوات.
لكن “بناء الدولة” لا يقاس بالمذكرات ولا بالتصريحات. يقاس بلقمة عيش، وبفاتورة كهرباء، وبمرتب ينزل في وقته، وبأمن يمشي مع المواطن في الشارع.
السؤال الذي سيحكم على هذه المرحلة ليس: هل استعدنا القرار؟
السؤال هو: “متى سيستعيد المواطن حياته؟”
حينها فقط سنعرف إن كنا فعلاً خرجنا من “إدارة الحرب”... إلى “بناء الدولة”.
