لعلني حين اتخذت هذه الجملة الشعرية للراحل محمود درويش عنواناً لمقالي هذا، قد وجدت فيها عنواناً أكثر استغراقاً للمشهد السياسي المعاش في بلادنا اليوم بكامل تجلياته وتداعياته على مختلف الصعد.

فالمشهد غائم، والغيم مريب بقدر ماهو مبشر، وكما يكون الغيم حاملاً للبشائر والخير، يكون أيضاً حاملاً لنذر الصواعق والعواصف والكوارث.

وإذا ما تأملنا صور المشهد السياسي المعاش في يمننا الحبيب اليوم في مختلف تجلياته وصوره، فسنرى الغيم سيداً ومن ورائه كافة احتمالاته الممكنة، قابلة للحضور بقوة بكل تناقضاتها، فالنقيض تتبدى إمكانات حضوره، بنفس القوة التي تتبدى فيها إمكانات حضور نقيضه .

وعودة إلى بدء، كان النظام البائد بفساده قد أوصل الدولة اليمنية إلى الفشل التام، وأدخل البلاد في أزمة مركبة، سياسية واقتصادية واجتماعية، عممت الفساد وفرطت بالسيادة والأرض وأفقرت الشعب وأهدرت الثروات واستبدلت آمال التنمية بأمل رأس النظام في الخلود في الحكم وتخليد أبنائه من بعده حكاماً للبلاد والعباد، وهو ما أدى إلى قيام ثورة فبراير الشعبية المباركة عام 2011م بعد أن كان الجنوب وحراكه المبارك قد وفر كل المقدمات لهذه الثورة منذ عام 2007م وكان ملهما للشعب بكافة فئاته وجهاته ومناطقه اللانخراط في هذه الثورة المباركة، حيث انضمت كافة قوى المعارضة للنظام فيها وحتى بعض من حلفائه، وهو ما خلق نوعاً من الاختلال في ميزان القوة جاء لصالح الشعب وثورته، وأزهق إمكانيات النظام لحسم الموقف بالقوة، رغم أنه - النظام - كان يفكر بذلك ولكنه اكتشف أن الولوج في مغامرة الحرب لن يكون لصالحه بأي حال فأخذ يلعب بأوراق تبقت لديه ليساوم الشعب والبلاد كلها بسلامة خروجه مقابل سلامة البلاد من مصير ( الصوملة) حسب زعمه، وهو ما جعل المحيط الإقليمي يطل على اليمن بالمبادرة الخليجية التي تجاوبت مع مساومات النظام البائد ورسمت خارطة الطريق للخروج الآمن لرؤوس النظام من مراكز القرار إلى الهامش، ورغم ذلك لايزال في الهامش يلعب بما لديه من أوراق يلوح بها بين الحين والآخر كلما أحس أنه قد أصبح في حالة برزخية لايدرك إلى أين ستفضي به.

عموماً .. لقد أفضت المبادرة الخليجية التي قبل بها النظام البائد وجميع معارضيه إلى ما أسميته - المشهد الغائم - حيث دخل الجميع في مرحلة انتقالية توافقية وحكومة توافقية بالمناصفة بين البائد والقادم، ورئيس توافقي انتخب من الشعب كله ليقود الخروج الآمن للبلاد إلى رحاب التغيير المنشود الذي طالب به الشعب من خلال ثورته السلمية التي أذهلت العالم.

وفي هذا المشهد الغائم جرى الحوار الوطني بين القوى السياسية الفاعلة منذ قرابة تسعة أشهر لمناقشة أوضاع البلاد في كل الصعد والتأسيس التوافقي للتغيير وتلبية مطالب الشعب في حياة أكرم على أرض اليمن الطيبة الخيرة. ومعالجة كافة المشكلات المعقدة التي خلفها النظام البائد بفساده وطغيانه الذي خرب كل شيء بدءاً من مقدرات البلاد مروراً بالسلام الاجتماعي بين مكونات الشعب الواحد في الجهات الأربع للوطن الواحد، وبالأخص توسيع تلك الشقة بين أبناء الوطن في الجنوب والشمال بشكل غير مسبوق في التاريخ اليمني القديم والوسيط والحديث والمعاصر، وانتهاء بإفشال الدولة والانفلات الأمني وإيجاد البيئة الاخصب للإرهاب القاعدي وغير القاعدي.

ولما كانت القضية الجنوبية هي القضية المحورية التي اضطلع بها الحوار الوطني لإيجاد حل عادل لها، فقد كان الشد والجذب حولها هو الطاغي على المشهد كونها عنواناً للعبث الكبير الذي مارسه النظام البائد في هذا الجزء الحبيب من وطننا.

واليوم على مشارف انتهاء المرحلة الانتقالية، والجدل السائد بين المتحاورين حول مخرجات الحوار الوطني، نرى في المشهد كماً هائلاً من مشاريع التصعيد السياسي مرشحة للتزايد بفعل الأهواء التي لاتضع بالاً لمصلحة الوطن مقابل مصالح فئوية ضيقة الأفق سياسياً وواسعة المطامع في حساب المكاسب الأنانية المنتظرة، فالميت لايزال يمسك بتلابيب الحي، يريد العودة لترويج بضاعته الفاسدة في الواقع الجديد المنتظر انجاز وإجلاء صورته المضيئة. رغم الإدراك أن ذلك قد صار من المستحيل سواء أسفر المشهد عن إحقاق الحق ومجيء الخير أو أسفر عن الارتطام الكبير. فإن تلك البضاعة لا مكان لها في مستقبل اليمن الواحد المتعافي .. فالماضي قد تبقى ذكراه البائسة، ولكنه في حقيقته زائل إلا في أوهام من تبقى من فرسانه الخائبين.