نجمي عبدالمجيد
في مثل هذه المجالات؛ المعرفة تتقدم الفعل وهو ما تفرضه حتمية العلاقة بن التاريخ والسياسة وعندما تتحول اتجاهات العلم عن مسار الموضوعية لتصبح تابعة لغرض القرار المتحكم في الغاية ؛ تكون مرتكزات جديدة في الوعي هي من تصنع الصلة بين المعارف والأهداف السياسية.
في هذا الكتاب الصادر عن المجلة العربية يطرح أمامنا الدكتور محمد رضوان جوانب من علاقة الاستشراق اليهودي بالقدس الشريف وفيها من مرجعيات الفكر المتصادم بين الحق التاريخي والسعي إلى إسقاط الوهم على الحقيقة وهنا ندرك أن المعارف عندما تدخل في دائرة التوظيفات السياسية تعمل على تخريف مسارات العقليات وتخرجها عن الانتماء العلمي نحو مواجهات القوة.
كيف يقرأ الاستشراق اليهودي تاريخ الحضارة الإسلامية ومكانة القدس في هذا الدين؟
عبر مداخل من العقيدة اليهودية ومستويات من تصوراتها تجاه هذا الموضوع يذهب بنا الكاتب للكشف عن زيف ذلك الخداع الاستشراقي الذي يعيد صياغة الأفكار والعلوم من منطلق تصوره الذاتي الذي يجعل الحق المعرفي من وسائل الصراع مع الآخر والعقلية الصهيونية قد أدركت أهمية الوعي التاريخي في هذا الجانب.
لذلك نجد مراكز الدراسات والبحوث والاستشراق في الغرب وضعت منزلة المعرفة في صراعها مع الإسلام منذ قرون في مساحات الوعي لديها في قراءة الهوية والانتماء عبر سبر أعماق الحضارة الإسلامية.
والقدس كمدينة هامة في الصراع الإسلامي الصهيوني لم تغفل عبر حقب التاريخ قد كانت محط قراءات ورحلات ودراسات من قبل اليهود وغيرهم في الغرب لعقود طويلة وتلك الأسفار تعد البدايات التي انطلق منها المشروع الصهيوني لاحتلال هذه الأرض تحت شعار ( العودة إلى ارض الميعاد ) .
يقول الدكتور محمد رضوان : (يعمد الاسرائيلون وأنصار الحركة الصهيونية ورعاتها إلى إعادة صياغة تاريخ فلسطين عامة والقدس خاصة بالاستناد إلى تاريخ مبهم وحجج باهتة ومزاعم مضللة تجعل من هذه المدينة ملاذا روحياً ورمزاً سياسياً قومياً لليهود وعنوان وجودهم في التاريخ قديماً و حديثاً .
ويلجأ اليهود الاسرائيلون إلى البحث عما يدعم هذه الحجج والمزاعم في النصوص الدينية والتوراتية والتلمودية من جهة وفي الحفريات المتعددة والعشوائية من جهة أخرى لإيجاد خيط يربطهم بهذه الأرض الكنعانية العربية الفلسطينية كبقايا هيكل سليمان الذي يعتبر ابرز معلم تاريخي يدل على وجودهم بأرض فلسطين وكأقوى الآثار التاريخية دلالة على شرعية حقوقهم بهذه الأماكن في زعمهم.
ويكشف تاريخ اليهود بفلسطين غمام كثيف من الغموض والتأويل وعدم اليقين لاعتبارات عديدة منها بعد المسافة الزمنية الفاصلة بين عبورهم القديم أو استيطانهم المنقطع بهذه الأرض التي تذكر مروياتهم أنهم وصلوا إلى أطرافها في زمن النبي موسى عليه السلام عندما خرج مع بني إسرائيل من مصر قبل أن يحتل الملك داوود القدس ويشيد مملكته على جزء من ارض كنعان في القرن العاشر قبل الميلاد وهي المملكة التي انقسمت بعد وفاة ولده سليمان إلى « يهوذا » في الجنوب وسهل إسرائيل في الشمال ومن ثمة ظلت القدس مركز تواجدهم ورمز سيادتهم كلما عادوا إلى هذه الأرض التي اخرجوا منها بعد ذلك في كثير من المرات).
يذهب الاستشراق اليهودي في قراءة التاريخ عبر هدفه السياسي وفي هذا وضع الواقع في دائرة المتخيل وعندها تتضخم الرؤية التي يتسع مدها إلى أقصى درجات الحجب الكامل لحقائق الأمور ومن هنا تبدأ عملية صنع الواقع المغاير لإنزاله في بؤرة حدود الانفجار مع الآخر.
فالعقلية اليهودية تطبق على أبعاد الصورة وترسم جغرافيا جديدة تعيد رسم الحقوق مع الحدود وهنا يصبح هذا العلم قوة قهر فكرية تجعل كل خروج عنها معاداة للوعي الزائف الذي يسعى لان يتحول إلى ثوابت موضوعية والخطورة في هذا عندما تسعى مراكز علمية في الغرب بجعل الوهم من حقائق الأمور.
وهنا نجد في الفكر تصاعد مثل هذه الأباطيل إلى اليقين المطلق وانحراف مثل هذا يدخل في مفاصل العمل السياسي لا بد له من مصادمات مع صاحب الحق ، وهنا تتحول العقيدة إلى مشروع وهي بهذا تكتسب حق الاعتداء الذي لا يقتصر على إنكار الغير بل إعلان الحرب النفسية والجسدية عليه بل السحق النهائي له وكأن فكرة العودة لا تتكامل مراميها إلا عبر الجريمة وهنا تصبح سياسة القتل من دعائم عقيدة اليهود عبر اغتصاب التاريخ.
منذ منتصف القرن التاسع عشر عندما أسست في بريطانيا مؤسسة اكتشاف فلسطين في عام 1856م عملت على وضع الخرائط وإرسال الكثير من علماء البحث عن الآثار إلى فلسطين حتى يتم غرس هذا الوهم في الوعي عن طريق العلم.
وقبل هذا التاريخ سعت المراكز الصهيونية في الغرب إلى نشر كل ما يخالف الحقائق حول علاقة اليهود بأرض فلسطين فكانت مراكز الاستشراق هي صياغة القرار في قيادة هذا المجال.
واستطاعت تلك الاتجاهات المعرفية أن تبدع مفهوماً خاصاً بها عن (الشرق) وهي في فعلها هذا تؤطر المعرفة حسب غرض حتى غدا هذا الوعي غير المنطقي هو من يقود العقليات الغربية في قراءة تراث الإسلام وهو ليس من الضروة ولكنه يخدم ما تستند إليه الأهداف ؛اختراع غربي ؛كما يوضح الدكتور ادوارد سعيد لأنه قد شحن بذلك التراكم من التخيلات المصطنعة في اطر من الحمولات الدينية والثقافية والفكرية المسيحية فقد عرف الاستشراق في نهاية القرن الثامن عشر وبالذات في انجلترا بداية في عام 1779م وبعد ذلك في فرنسا عام 1799م وتم إدخاله في قاموس الأكاديمية الفرنسية في عام 1838م غير أن المحاولات الأولى للاستشراق اللاهواتي ترجع إلى زمن صدور قرار مجمع فيينا الكنسي عام 1312م والذي اقر إنشاء عدد من كراسي اللغة العربية في عدد من الجامعات الأوروبية.
وحول التأثير اليهودي في الدراسات الاستشراقية يقول الباحث (يحتفي الاسرائيلون بالدراسات الاستشراقية الغربية المتأثرة بأبحاث المؤرخين والباحثين اليهود الأوروبيين ويجدون في هذه الدراسات ما يسند ادعاءاتهم المتعلقة باحتلال فلسطين وأحقيتهم بالقدس وما يدعم سياسة تهويد هذه المدينة المقدسة وإلحاقها بالأراضي التي اغتصبوها من سكانها الفلسطينيين .
ويعد الاستشراق مصدر إمداد « علمي » لمؤسسات الأبحاث والجامعات الإسرائيلية وبعض الدارسين اليهود في تدعيم أطروحاتهم المزيفة.
ولا يعدم هؤلاء الدارسون، وخاصة المتشبعون منهم بالفكر الصهيوني الاستيطاني، المراجع والأبحاث الدينية والتاريخية الإستشراقية التي تؤيد هذه المزاعم، بحكم ان العديد من المستشرقين الذين اهتموا بهذه المنطقة وتاريخها هم من اليهود او من ذوي أصول يهودية عاشت بأوروبا، فيما ينتمي مستشرقون غير يهود لاتجاهات وحركات متقاطفة مع اليهود، حتى انه يمكن القول ان هناك اتجاهاً او مدرسة يهودية في تاريخ الاستشراق الحديث، يمثلها عدد من الأسماء البارزة في هذا الحقل المعرفي.
كما أن اهتمام المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية بالاستشراق سمح ببروز ما يمكن اعتباره بحركة الاستشراق اليهودي، في فلسطين بعد احتلالها، يتكامل دور هذه الحركة مع الاتجاه اليهودي في الاستشراق الغربي، والذي ازدهر في القرن الثامن عشر بأوروبا.
وتحتضن الجامعات الإسرائيلية وفي مقدمتها الجامعة العبرية باحثين ودارسين متخصصين يرمزون إلى حركة الإستشراق اليهودي، من أمثال، شلو مو جو يتاين وبلانك، وبينس و م . ي . كستر، ويؤدي هؤلاء دوراً اساسياً في خدمة الكيان الإسرائيلي والفكر الصهيوني الاستيطاني.
ولذلك فإن موضوع القدس في الإستشراق يمكن مقارنته من خلال المدرسة اليهودية في الاستشراق الغربي اولاً، والاستشراق اليهودي في فلسطين ثانياً).
يؤكد الباحث ان اهتمام الإسلام، وأهله بأرض فلسطين ظل متواصلاً لقرون عديدة منذ فتح هذه البلد على يد الفاروق الخليفة عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، كذلك حرص المسلمون على الدفاع عنها في كل الأزمات، كما عملوا على عمارة القدس ورفعة مكانتها ومقامها وهي ارض العرب والإسلام.
وفي عهد الخلافة الأموية تجلى الوجه الحضاري الإسلامي عندما أقيمت صروح معمارية إسلامية، تقف إلى جانب معالم الديانات الأخرى ولعل بناء قبة الصخرة والمسجد الأقصى ودار الإمارة والأبواب وغيرها تدل على الهوية الإسلامية هذه المدينة.
وهذا التاريخ الطويل بكل مراحله وصراعاته هو ما يسعى الاستشراق اليهودي إلى انكارهْ، ومحوه من الذاكرة التاريخية عبر إعادة شكل الهوية في المكان، تدمير المواقع والآثار الإسلامية والبحث عن بقايا لهيكل سليمان وآثار لليهود، ويأتي هنا دور الدراسات والاهتمام بالمصادر والمخطوطات العربية والإسلامية التي تهتم بفضائل بيت المقدس مثل مخطوط (فضائل بيت المقدس) لابي بكر محمد بن احمد الواسطي، الصادرة مطبوعة ومحققة عن الجامعة العبرية بالقدس على يد الباحث إسحاق حسون، وقد تم الاستيلاء عليها من ضمن كتب مكتبة جامع احمد باشا الجزار في مدينة عكا.
ولكن رؤية الفكر العربي كشفت الكثير من هذا الخداع الذي تلبس بمسوح العلم وسعى إلى فرض النظرة الدونية للآخر، فكان التشكيك في الدوافع القاصرة التي ادعت العلمية والموضوعية في معرفة المجتمعات الشرقية وخاصة العربية والإسلامية وفي هذا نقد موضوعي للاستنتاجات والتفسيرات التي عمدها الاستشراق كحقائق مطلقة تجاه الإسلام، وبالرغم من ادعاءات المستشرقين وحرصهم على تطبيق المناهج العلمية الحديثة في حقول الدراسات المعرفية تجاه الشرق، فأن عملية تفكيك هذا الخطاب أوضحت مدى القصور العلمي فيها، وهي لا تسعى الا لفرض الهيمنة السياسية على التاريخ وهو ما أوقعها في العجز الفكري الذي لا يحمل سوى متخيلة العاكس لتصوره في هذا الجانب.
ان السطوة هي من ركائز الاستشراق وقد عملت على قيادة العقول والأفكار في الغرب تجاه الشرق، وقد رسخت معتقدات في هذا العمل، ظلت من مرجعيات البحث واتسعت دوائر هذا المنهل عبر حقب لم تنفصل عن صراع الشرق والغرب، والعقل الصهيوني أدرك منذ البداية ان للجوانب المعرفية أهميتها في قيادة المعركة، ولعل مقولة هرتزل التي جاء فيها: (ان اليهودية هي العودة إلى الهوية والتاريخ قبل العودة إلى الأرض اليهودية) خير عبرة لأهم قراءة المعرفة وتحديد مساراتها في العمل السياسي.
وعملت المؤسسات السياسية الإسرائيلية على جلب بعض رجال الفكر الاستشراقي من اليهود لتوظيف خبراتهم ومدى توسع معارفهم عن الدول العربية في صياغة السياسات والقرارات، مثل يهو شفاط هركابي وشلو مو جازيت مهمة رئاسة الاستخبارات العسكرية، كما عين شلو مو افنيري مديراً عاماً لوزارة الخارجية ومناحيم ميلسون رئيساً للإدارة المدنية، وغيرها من مراكز صناعة القرار في الدولة اليهودية.
تعد الجامعة العبرية قلعة أساسية للكيان الصهيوني، وبالذات في مجال تكوين الوعي والمعرفة وتخرج الاطر والباحثين، وهو مايعزز الفكر اليهودي في الصراع مع الاسلام .
يقول الدكتور محمد رضوان: (يعد الاستشراق منهلاً معرفياً مهماًُ بالنسبة للباحثين والسياسيين الاسرائيليين، ففيه يجدون السند العلمي لكثير من اطروحاتهم التوسعية والاستيطانية ، كما يعتبر بالنسبة اليهم واحداً من جبهات الصراع والهجوم والطعن في تاريخ وثقافة العرب والمسلمين، وخاصة في ما يتعلق بقضية فلسطين، وفي صلبها قضية القدس الشريف.
ولذلك تعرضت الدراسات النقدية للاستشراق، وعلى رأسها كتاب ادوارد سعيد لحملة من الانتقادات الحادة في الوسط الاستشراقي اليهودي الحديث، الذي يعد من ابرز وجوهه، برنارد لويس الحامل لجنسية مزدوجة بريطانية وإسرائيلية، ويعد من اشد المستشرقين اليهود المدافعين عن الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين.
ويمثل برنارد لويس مثالاً للمفكرين الغربيين، الذين غنوا بالاستشراق كنظام للمعرفة حول الشرق وحولوه الى وسيلة لتبرير الاستعمار والهيمنة على البلدان العربية، والاستيطان اليهودي بالقدس وفلسطين.
تلك مسألة بحثية لم تقف عند حدود مجردة، بل ستظل في مراكز التجاذب الثقافي والحضاري والسياسي لعقود طويلة، لان صناعة الهيمنة الغربية على الشرق مازالت في تصاعد مع صدام الحضارات، وللاستشراق دوره في قيادة هذه المواجهة.
في الصراعات السياسية لا تسقط حسابات المعرفة، فالمركزية الغربية تدرك المسافات الزمنية في ادارة هذا العمل، والاستشراق احد المعابر لتوصيل قراءة ما عن المعابر، وفي هذا تظل العلاقة بين الشرق والغرب تحديد مسافات بين المتخيل والواقع، بين السياسي والعلمي، وعلى قواعد لعبة المصالح تبدو الرؤية بحاجة لإعادة صياغتها وإخراجها من موقع الظل الى مساحة الرؤية.