عبده منصور المحمودي
تأتي مجموعة ( قطرات روح) التي نحتفي بها اليوم للقاصة المبدعة نجاح حميد الشامي إضافة جديدة للمكتبة السردية في الأدب اليمني المعاصر.
ووفقاً لما تحدثه المجموعة من مثيرات في ذهن المتلقي واستقراء لسماتها الفنية يمكننا قراءتها في أربعة محاور، الأول : عنوان المجموعة ولوحة الغلاف والثاني : تقنيات الكتابة الإبداعية والثالث : لغة المجموعة والرابع : المضامين الاجتماعية في نصوص المجموعة.
مضامين الحياة الاجتماعية
وتأتي صورة المرأة واحداً من المضامين الاجتماعية في المجموعة، ففي نصوص المجموعة يتضح تصوير لبعض تفاصيل حياة المرأة اليمنية، في مجتمعها، سواء في حبها للأرض أو في علاقتها بالرجل. فهي مقهورة مظلومة مصادرة الحقوق سلطوية الرجل.
وهي محبة للأرض، عاشقة لها، وقد صور ذلك القاص محمد عبدالولي في عدد من نصوصه، ويأتي النص (سنابل) في هذه المجموعة مصوراً هذا الحب وارتباط المرأة اليمنية بالأرض ارتباطاً نسيجياً:
«عندما اكتهلت، وخط الشيب رأسها.. عانقت ذؤابتها الثرى الذي ولدت من ثناياه، وصارت إليه...»
وتبدو المرأة في هذا النص متسمة بالمعاناة والكد والعمل الدؤوب، فهي:
«تعشق، تحب، وتعطي بلا حدود..
مدتها الشمس شعاعاً لا يعرف الانكسار... لثم الجبال والحقول وكل جميل في الكون البديع فحاكت ألف حلم عانق الأرض... وأمتد حتى الشمس.
هكذا استطاعت أن تعقد قراناً بينهما، فصار لها عائلة..»
أما العلاقة بين الرجل والمرأة فإنها في مجموعة علاقة محكومة بسلطوية الرجل، فمجتمع المرأة التي تصورها نصوص المجموعة مجتمع قاصرة النظرة إلى المرأة فهي مكبوتة بهذه النظرة تكابد مرارة التقاليد الاجتماعية المجرّمة للحب، وقد ورد في النص (وحدي)، ما يشير إلى ذلك:
«في شرعنا ممنوع أن يضرب طبل في قلبي فرحاً بالحب».
كما ورد تصوير قيود المجتمع العاطفية المتمثلة بعادات القبيلة في النص (قطرات من روحي)، ففيه:
«أجر آلامي التي ضيعتني وخبأتني وأحرقتني بك.. وأسافر وحدي أنا أنت...
حظي العاثر وعادات قبيلتنا...».
ومع هذه القيود الاجتماعية المضروبة حول العاطفة، فإن المرأة تحاول كسر بعض من هذه القيود فلا تحرم نفسها من عاطفة إنسانية وهبها الله لكل البشر، وتطرق باب الحب بإخلاص علها ترضي مشاعر من تحب، إذ تتداعى مع همسات مشاعر الحب منذ البداية مخدوعة بها وبرونقها، حتى تصدمها المفاجأة بالحقيقة حينما ينسحب هو وتبقى هي وحيدة سائغة لهذه النظرة الاجتماعية القاسية، وهذا ما يصوره هذا الجزء من النص (وحدي):
«كنت صغيرة جداً حينما ناداني لأول مرة، فتمنيت أن ألبي نداءه، لم يعرف قلبي الصغير إيقاعاً غير إيقاعه. لكنه كان جباناً... فبقيت وحدي».
ومع اصطدامها بهذه المفاجأة إلا أن التجربة العاطفية الأولى خلود مقدس في ذاكرة القلب، وإن كان معلوماً أن المصير هو الفراق:
«سمير الزمان وصوتك مازال يخدرني، يربكني فأتوحد معك في فرحي ثم في حزني المتدحرج حتى الظلمة.. فإلى أي حد سأذهب بك معك، وإلى أين ستأخذني احتمالاتي..
عبثاً أحاول فقد بدأ العد التنازلي لفراقتنا الأول».
بهذه الصورة العاطفية المثالية تبدو المرأة في المجموعة، بحيث تخلص في حبها الذي لا يمثل عند الرجل إلا وسيلة من وسائل التسلية والترويح، فهو منساق وراء نصائح أصدقائه الذين يشيرون عليه بذلك، ليجد نفسه في النهاية ظالماً وخادعاً للمرأة فيبدو نادماً على ذلك في النص (رسائل)، حينما يقرأ رسائل حبيبته، فيحدث نفسه نادماً:
«خدعوني بأن الأمر سيكون مجرد تسلية فقط وأننا سنقضي وقتاً معك..»
ومع ذلك أن هذا النص يصور شعور الرجل بالندم إلا أن ذلك غير مجدٍ للمغلوبة على أمرها، كما يصورها النص:
«في الجهة الأخرى وفي داخل الغرفة المظلمة، ثمة جسد يرقد على مقعد خشبي هامداً مثخناً بالآلام يرفض أن يفتح الباب..
أو أن يتفوه بكلمة واحدة...»
ولأن الرجل يتعامل في حبه للمرأة كوسيلة للتسلية غير هادفٍ إلى الارتباط بها، فهو يكثر من اصطياد القلوب، فالفتاة في النص (سلالم) تجد نفسها واحدة من سرب الفتيات المخدوعات بادعاءات وخداع هذا الذي انخدعت بحبه:
«محاصرة أنا بهذا الكم الهائل من الأرقام.. الـ تحشرني بين الأصغر، والأكبر من والـ يساوي... لأصبح في النهاية مجرد رقم حسابي يقبل القسمة، الجمع والطرح... لكنه غير قابل للضرب...»
لتصب المرأة في النهاية إلى قناعة وإدراك للواقع معتبرة التجربة العاطفية درساً علمها كيف لا تثق بأحد، مستعيدة ثقتها بنفسها ومتخلصة من سطور ذكرياتها وتجربتها المحزنة:
أربعة، لكني الآن... عبرت هذا الخوف لأشفى من أربعة...
أنا، أنت، المصعد..
وسلالم كثييييرة في المنتصف...»
في الأخير.. أقول إن لكل نص آفاق تلق متعددة ومختلفة من متلق إلى أخر باختلاف وتعدد تكوينات بناهم الثقافة والفكرية والمعرفية، وقد تناولت في ورقتي هذه قراءة لمجموعة الكاتبة المبدعة نجاح الشامي (قطرات روح)، وقد كانت قراءتي وفقاً لما تداعيت له من ممكنات نصوص المجموعة الفنية والفكرية، وأتمنى أن أكون قد وفقت بعض التوفيق في ذلك.