وضاح اليمن عبد القادر
وضاح اليمن عبد القادر
الإهداء : إلى روح الراحل أبي الحبيب الأكثر التصاقاً بالأرض
تحب أمي أبي كثيراً فهي مغرمة به منذ أن كان يغازلها بيديه اللتين تزينهما ساعتان سويسرية الماركة ، ومع مرور الأيام تزداد علاقتهما ارتباطاً ، مازالا يتاهمسان كالعصافير التي تقطن شجرتي ( السيسبان ) و (الشبه ) في (شعبة )جدتي لول .
اختلف الوضع أخيراً وصار لزاما ًعلى أمي أن تخضع لوجود ضرة أخرى تقاسمها اهتمام أبي .
عادة ما يغيب أبي عن البيت مدة لا تتجاوز أسبوعا ً واحداً ، وكانت كلاب القرية قادرة على أن تشتم رائحته ورائحة سيارته العتيقة قبل أن يصل القرية من مسافات بعيدة فتتسابق لاستقباله وبمجرد وصوله تلتف حوله مخاطبةً إياه بلغة لا يفهمها سواه مع أنه يخاطبها بلغتنا المعروفة إلا أنها كانت تلتفت إليه وتحرك أذيالها بسعادة بالغة تؤكد فهمها لما يقول ، يوزع عليها حصتها من الأكل بالتساوي ، وإذا ما حاول أحدها الخروج عن النظام المعتاد ينهره قائلاً: ( قسمة إخوة ) فيعود الحال إلى ما هو عليه .
تحتفي أمي بعودة أبي كثيراً ، تزادد تفاصيل وجهها بهاء وألفة ، وتشع من عينيها ابتسامات تسكن تفاصيل جدران البيت ، لكن الآن هناك من يشاركها تلك اللهفة والحنين ويقاسمها فرحة عودته .
طقوس الحمل عند أمي يرافقها أشياء غريبة ، لقد كانت تأكل أثناء حملها بي من تراب الأرض الطينية بعد المطر ، ومن هنا عرفت سر ارتباطي بهذه الأرض ورفضي مغادرتها والرحيل إلى أرض أخرى ، ترافق حمل أمي في المرة الأخيرة مع حمل ضرتها الجديدة لكن هذه المرة اختلفت طقوس حملها عن المرات السابقة طلبت من أبي أن يحضر لها تفاحا أحمر قاني اللون حال عودته و كالعادة لم ينس ما طلبته منه .
انشغل إخوتي الصغار بما جلبه لهم أبي من سفره بينما انشغل هو بتقطيع إحدى التفاحات إلى نصفين متساويين ، قدم نصفها لأمي ، وانتفض سريعاً ممسكاً بالنصف الآخر متوجهاً إلى الطابق السفلي من البيت تبعته أمي وسرعان ما تبعهما إخوتي الصغار
امتدت يد أبي إلى (............)
نظرت إليه .... وهي تفتح وتغمض عينيها الجميلتين ، فتحت فمها ملتهمة نصف التفاحة الآخر ،
مسح أبي على جسدها الحريري بحنان ، التفت إلى أمي مبرراً :
( هي مثلك حامل ، ونفسها في التفاح بس مش قادر تتكلم)
ابتسمت أمي ابتسامة تكاد أن تقطر ضوءا ، أردف أبي مخاطباً إخوتي الصغار :
( البقرة أم ....
البقرة أم ......) .
من مجموعة ( ذاكرة الوجوه )