لقاءات / هناء الوجيه - بشير الحزمي:
مركز الطفولة الآمنة في صنعاء أحد المراكز الرئيسية المتخصصة بإعادة البناء التدريجي لشخصية طفل الشارع اجتماعياً وثقافياًَ من خلال التأهيل والاهتمام وتوفير خدمات الإيواء والغذاء والملبس والتعليم وإقامة البرامج والأنشطة المختلفة لتكوين شخصياتهم وإعادة تأهيلهم بما يضمن دمجهم أسرياً واجتماعياً.
لمزيد من التفاصيل عن أهداف المركز وأهم الأنشطة والخدمات التي يقدمها للفئة المستهدفة التقينا عدداً من العاملين إدارياً وفنياً في إطار المركز.. وهذه هي الحصيلة:
الأخت سهام الحكيمي مديرة المركز قالت: مركز الطفولة الآمنة أحد المراكز الرئيسية المتخصصة في رعاية وتأهيل أطفال الشوارع، وهو الأول من نوعه في الجمهورية اليمنية ويعمل في إطار أمانة العاصمة، وقد أنشئ في ديسمبر 2001م وكان تابعاً لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وفي يوليو 2004م أسند إلى مؤسسة الصالح، ويقوم عمله على أساس استقطاب أطفال الشوارع، ويتم ذلك بطريقتين الأولى استقطاب المركز للأطفال بنفسه من خلال النزول الميداني وعادة يكون ذلك في منتصف الليل بالتنسيق مع الجهات الأمنية، لأن استقطاب الأطفال في فترة النهار يسبب عدداً من الإشكاليات والمشاحنات إذ يكون هناك من يراقب طفل الشارع ويهمه أن لا يستقطبه أحد وحين يرى الاختصاصي الاجتماعي يتحدث مع أحد الأطفال يثير فوضى ويدعي أن هناك من يريد اختطاف هذا الطفل وهذا يشيع نوعاً من الخوف لدى أطفال الشارع وهذا ما يجعلنا نستخدم آلية استقطاب هادئة بالتنسيق مع الجهات الأمنية.
كادر مؤهل
أما الطريقة الثانية فتكون عن طريق جلب الأطفال من جهات أمنية أو مجالس محلية أو جهات حكومية رسمية وفي كل حالات الاستقطاب يخضع الطفل إلى ثلاث مراحل تبدأ بالاستقبال ثم التأهيل والدمج وبعد ذلك المتابعة اللاحقة وبالتأكيد لابد أن يتميز المركز بكادر مؤهل وقادر على التعامل مع الأطفال بطرق ووسائل علمية ونفسية تتلاءم معهم وتسهم في إعادة بناء شخصياتهم.
والمركز يتكون في الجانب الإداري من مدير المركز والسكرتارية والمالية والإدارية والعلاقات، وفي الجانب الفني يتكون من الاختصاصيين: اجتماعي وصحي ونفسي وتعليمي وثقافي، وفي جانب الخدمات: عمال النظافة والخبازة والطباخ والحرس الذين يقومون بحراسة المبنى.
وعدد الأطفال في المركز الذين تم إعادة تأهيلهم منذ انشراع المركز يصل إلى (1300) طفل، وحالياً في المركز هناك 57 طفلاً، حيث يظل الطفل في المركز لمدة ستة أشهر بعدها يتم البحث عن أسرته وإعادة دمجه معها بعد التفاهم معها على ضرورة رعاية الطفل كما يتم التنسيق للطفل بحيث يلتحق بالتعليم ويلتزم المركز بتوفير كافة احتياجاته المدرسية وضمان عدم تسربه من المدرسة.
وفي الفترة القريبة سيتم الاتفاق مع وزارة التربية والتعليم على إنشاء الفصول الصديقة التي من خلالها سيتم دراسة مستوى الطالب لمدة شهرين وتحديد مستواه من خلال امتحان بعدها يدرج في المرحلة المتلائمة مع المستوى العلمي له.
تنسيق وتعاون
هناك أطفال ليس لديهم أسر ويتعذر إدماجهم اجتماعياً مع أسرهم وهؤلاء يعد المركز ملفاً خاصاً بحالتهم وتوجه رسالة من المركز لبعض الجهات المتخصصة في الإيواء الدائم للطفل حتى يستطيع أن يعتمد على نفسه بعد أن يتجاوز مرحلة الطفولة.
مشكلة حقيقية
وتختتم مدير المركز حديثها بالقول: أتمنى من المجتمع أن يدرك حجم مشكلة أطفال الشوارع ويتعامل معها بروح مسؤولة لأن هؤلاء الأطفال ضحايا بالدرجة الأولى لتفكك وعنف أسري وقد يكون العامل الاقتصادي مساعداً لدى بعض الحالات ولكن إهمال الأسر والعنف الذي يواجهه الطفل من الأمور التي تدفع به للشارع ليكون ضحية للاستغلال والانتهاك وهؤلاء هم أبناؤنا وكنز المستقبل ولابد من الاهتمام بهم من قبل كافة الأطراف ولابد أن يكون هناك تنسيق بين جميع المعنيين في هذا الجانب. وأنا أشير هنا إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل التي لا يفصل بينها وبين المركز سوى جدار ومع ذلك ليس هناك تنسيق أو تعاون بيننا في هذا الجانب رغم أنها جهة معنية ولديها إدارة متخصصة في هذا الشأن.
بناء الثقة
وتقول الأخت هناء علي الاختصاصية الاجتماعية في المركز: إن الطفل حين يدخل المركز يكون في حالة عدم ثقة ويكون لديه خوف شديد من كل من يتعامل معهم وبالتالي لا يكون صادقاً في المعلومات والبيانات التي يدلي بها ومن هنا تأتي أهمية دور الاختصاصين الاجتماعي والنفسي اللذين يقومان بإعادة الثقة وتأمين الطفل.
إضافة إلى ذلك يقوم الاختصاصي الاجتماعي بمتابعة كافة المراحل العلاجية والتأهيلية للطفل سواء اجتماعياً أو نفسياً أو تعليمياً أو ثقافياً وفي مجال الأنشطة وتعاطي الطفل معها، ويقوم الاختصاصي الاجتماعي بالنزول الميداني ودراسة واقع أسرة الطفل ومحاولة التحاور معهم تمهيداً لإعادة دمج الطفل معهم وهذه سلسلة متتابعة يقوم بها الاختصاصي ضمن خطة في مجال تأهيل ودمج طفل الشارع.
وطفل الشارع يأتي وهو ناقم على المجتمع وعدواني يشعر أن كل من حوله سيؤذونه وبالتالي يكون في حالة دفاع عن نفسه والحمد لله من خلال ما لاحظناه يخرج الطفل من المركز وقد تحسن بشكل كبير في نفسيته ومن ناحية سلوكياته وهذا ما يتطلب إنشاء مراكز وكثيراً منها تهتم بجانب إعادة تأهيل هذه الفئة البريئة التي تعتبر من ضحايا الإهمال والتفكك الأسري وكذا الضغط الاقتصادي ولأن هذه الفئة هم الأطفال لابد للمجتمع أن يأخذ قضيتهم بعين الاعتبار ويعتبرها من الأولويات التي تحقق النهوض والبناء الصحيح للمجتمع.
كسر حاجز الخوف
وفي الإطار ذاته تقول الأخت نجوى أحمد الجوفي الاختصاصية النفسية في المركز: إن الأطفال يحتاجون لفترة زمنية على الأقل شهرين لتبدأ ثقتهم تتعمق بالكادر في المركز وقبل هذه الفترة ترى الطفل يمارس الكذب ويتعامل بحذر مع من حوله، ونحن كاختصاصيين نفسيين نعمل على مساعدة الطفل على كسر حاجز الخوف باستخدام وسائل علاجية متعددة ومن ذلك استخدام نشاط الرسم الذي من خلاله يعبر الطفل بواقعية عن الكبت الذي في داخله مثل أن يرسم طفلاً معلقاً في شجرة أو مربوطاً بها وهناك من يضربه بالعصا وعندما تسأل الطفل عن ماذا تعني هذه الرسمة يقول هذا ولد ربطه أبوه على الشجرة وهو يضربه، في تلك اللحظة تدرك أن الطفل يعبر عما بداخله وأن الطفل الذي رسمه هو نفسه وهكذا يتم بوسائل متعددة معرفة أعماق الطفل وما يعانيه نفسياً وحقيقة ألاحظ أن طفل الشارع يتميز بذكاء قوي وعندما يكسب الثقة لا يخون الثقة أبداً ويكون حريصاً على الالتزام بالنظام وتطبيق قواعد المركز من تلقاء نفسه.
تأثير مباشر
ويوضح لنا الأخ خالد المليكي المشرف الاجتماعي الفرق بين عمل الاختصاصي الاجتماعي وعمل المشرف قائلاً: الاختصاصي الاجتماعي أكثر ما يكون تركيزه على النزول الميداني لاستقبال ودراسة الحالة وجمع البيانات ودمج الأطفال مع الجهات الأخرى وغيرها من الأعمال المرتبطة بتخصصه ولكن المشرف الاجتماعي هو الذي يتولى متابعة الأطفال خلال فترات الاستراحة والنوم وأثناء تناول الوجبات الغذائية وكذا أثناء ممارسة الأنشطة المختلفة وهو كذلك من يتابع النظافة الشخصية ويقوم بحل المشاكل البسيطة اليومية بين الأطفال ورفع المشاكل النفسية والاجتماعية والصحية إلى المختصين في المركز وبالتالي عمل المشرف الاجتماعي ذو تأثير مباشر على الطفل ويتطلب شخصية قوية وحنونة في الوقت ذاته.
الرعاية الصحية
ويوضح لنا الدكتور بندر يحيى علي مسؤول الصحة والتغذية في المركز نمط الرعاية الصحية للأطفال بالقول: الأطفال الذين يأتون من الشارع أو من خارج اليمن (الأطفال المهربون) ربما تكون لديهم أمراض معدية لذلك يتم استقبالهم ويوضع كل طفل في غرفة مستقلة ليقوم طبيب المركز بعمل فحص شامل مبدئي ويرفع تقريراً بحالة الطفل يرفق بملف إلى مستشفى الثورة الذي بدوره يقوم بعمل كافة الفحوصات المخبرية والكيميائية ويبقى الطفل في غرفة مستقلة إلى أن تظهر نتائج الفحوصات ثم يتم دمجه مع بقية الأطفال، وفي حالة إصابة الطفل بأي نوع من المرض يتم البدء في علاجه ويعادله الفحص أسبوعياً إلى أن يتعافى ثم يدمج مع الأطفال في المركز. وبالنسبة للرعاية الصحية عموماً يتم معالجة الحالات المرضية البسيطة للأطفال داخل المركز وإذا كان هناك حاجة للاستعانة بمستشفى آخر يحول الطفل إلى المستشفى ويتابع علاجه إلى أن يتحسن.
ويحاول المركز في إطار الإمكانيات المتاحة له توفير وجبات غذائية متكاملة تتناسب مع حاجة الطفل خاصة أنه في مرحلة عمرية تحتاج إلى اهتمام كبير بجانب التغذية، وبالتأكيد يحتاج المركز إلى توفير الدعم وهذا ما نتمناه من جميع الجهات ذات الصلة لأن عمل المركز مهم جداً ولابد من مواصلة الجهود من أجل زيادة نشاطه.
البقاء في المركز
ونختتم هذه الجولة بنماذج من أطفال المركز، ويبدأ الحديث الطفل أيمن علي صالح الخشورفي الذي يقول: أنا لا أريد العودة إلى الشارع فقد وجدت في المركز الرعاية والاهتمام ولا أريد أن أعود إلى أسرتي في المحويت فقد هربت من هناك أنا وأختي وأخي الأصغر ونحن مرتاحون في المركز نتعلم أشياء كثيرة مفيدة ونجد كل ما نريد ولدينا من يحبنا.
لا نريد الشارع
وبذات النبرة يقول الطفل علي حسن عقلان: الكل هنا طيبون ونحن مرتاحون نقرأ القرآن ونصلي ونتعلم ونلعب ولا نخاف من أحد ولا نشعر بالجوع، أنا وكل الأطفال في المركز نريد أن نعيش هنا ولا نريد العودة إلى الشارع.