ألطاف الأهدل
توقفت عن النظر في عينيه فجأة ، وتجمدتْ كل أحاسيسي حين تحدث بلهجة الذكورة التي أكرهها منذ أن كنت طفلة لا أعرف عن الرجال إلا أنهم أبي! .. تشابكت أصابعي ، وشعرت للحظة أن هذا الرجل يسير مختالاً على أشلاء ذاكرتي ، لكن إحساسي بذاتي يغمرني ، واليقين الذي تعلمته من فم الليل يمنحني شيئاً من القوة كي أستطيع المواجهة بين من اعتادوا صمتي ، وأدمنوا ضعفي منذ أن كنت امرأة وحتى أصبحت امرأة ! نكاد نتلاشى مثل أحلام المساء - نحن معشر النساء - حين نصبح مثل صرة محمولة على أكتاف أبناء السبيل ، تلفُّنا الغربة من كل زاوية .. ومع هذا فنحن لسنا من تلك الكائنات الراقصة حول النار ، حتى لو لم يكن لإحدانا خاصرة .. أنا مثل سواي من نساء هذا المجتمع أحمل شرفي على كتفي ، وبين جوانحي كل صباح ، وقبل أن تمتد يدي لمصافحة نهار جديد أطوي فيه ذراعيَّ على صدري لمجرد أن في لفظة (نهار) شيئاً من الذكورة ! .. نعم نحمل شرفنا كما تحمل الشمس نورها ، ونتوسده حين يأتي الليل مثل شيء ثمين نخشى أن تمتد إليه يد إنسان (مُتًحَيْون) ! هكذا نحاول أن نجتاز جسراً خشبياً محطماً يصل بين ضفتين من الجمر ، ودونه تصطف التماسيح فاغرة أفواهها للحصول على تحلية الظهيرة بعد غداء دسم ! هكذا تلملم إحدانا شتات ذاتها ، وتجمع تفاصيل جسدها المبعثر ، وكأن الأنوثة مجرد مانشيت عريض يحمل جملة فارغة من المضمون الإنساني ، لكن الصمت يبقى أبلغ لغة يمكن أن تُسكت تلك الأفواه التي لا مفاتيح لها ، لذا تجيد النساء في مجتمعي استخدام مفردات الصمت مهما كانت صعبة وغامضة ، إلا أنها تبقى أسهل بكثير من مفردات لا يمكن أن يتفوه بها إلا رجل .
توقفت عن الكلام ، وأحسست أن الكون من حولي عباءة سوداء لابد أن تواريني عن أعين مثل هذا الرجل الذي ظن للحظة أنني قد أكون فريسته القادمة ، وحتى لو لم يَرَني فريسة فيكفي أن عينيه تَبقيان سنارة ولو لم تحمل طُعماً . ولكن عباءات الدنيا كلها لا يمكن أن تُبقي أي امرأة في مأمن إن لم يكن لها مخالب من الفولاذ في عقل راجح وإرادة ثابتة وسكينة لا تخترقها شظايا الوجع .
بقيتُ صامتة ، أحاول أن أتمادى في إلهاء أحاسيسي عن الانتقام ، ووجدتُني أتشبث بما تبقى من أوتار بلهاء عارية لم يعد لها ولو بعض صدى .. انطفأ ذلك الوميض الذي كان يواسي انشطارات تسكنني، وأصبحت مثل كرة العراف التي يراها الناس كوكباً ، وما هي إلا صخرة صماء .
وجوهنا تشبه تفاصيل أرواحنا ، ربما لهذا لا يستطيع البعض أن يقرأنا ، ربما كان اللثام الذي يُخفي وجوهنا بكل ما فيها من مساحات الرضا والغضب يمنع وصول مشاعر الاستفزاز والنفور التي نحملها للبعض ، سواء كانوا رجالاً أو نساء ، وهذه ليست دعوة للسفور ، بل هي دعوة للبحث عن أشياء أخرى تشبهنا من الداخل .