وداد شبيلي
صحا منذ الصباح الباكر كعادته استعداداً للذهاب إلى مدرسته وفي يده شيء يخفيه عني وبحذر.. اعتقدت في بادئ الأمر أنه مال أخفاه عني ليطلب المزيد لمشاريعه المدرسية التي لم تنته أبداً.. وحين تأهب للذهاب إلى المدرسة رأيته مرة أخرى يخفيه في جيب شنطته المدرسية..؟!! وكغريزة في النفس البشرية قادني فضولي لمعرفة سر ابني الخطير الذي لم يتجاوز بعد السابعة من عمره ويخفيه عني.. وذهلت حين وجدت «سناً صغيرة» محفوظة بعناية في قماشة متعددة «اللفات والعقد».. أعدتها إلى مكانها وكأن شيئاً لم يكن.. وقبل أن أطبع عليه قبلة وأدعو له أن يحفظه الله من كل سوء وهو يستعجل للحاق بباص المدرسة.. اقتربت منه وحضنته بحنان وطلبت منه أن يطلعني على سره الصغير لأحتفظ به أنا أيضاً.. ابتسم ابتسامة بريئة وتنهد لبرهة وهمس في أذني أمي هذه «سنتي التي خلعتها أمس سأرميها إلى عين الشمس في المدرسة لتعيدها لي سن غزال أو سن ذهب»؟!!
حينها ابتسمت ابتسامة لم أشعر بإحساسها ولذتها من قبل وحضنته بقوة «أكثر حناناً» وهو يستعجل بالخروج ليضع سنه بين أحضان الشمس لتحقق له أمنيته الطفولية البريئة.. وعدت للواقع المعاش الذي «اغتيلت فيه الأحلام» حتى ولو كانت أحلاماً بسيطة ومتواضعة وسهلة كسن ابني، وأحلام الإنسان البسيطة في الحياة الكريمة والمستقرة التي تاهت وضاعت في زحمة الحياة.. وأحلام الشباب في الحصول على وظيفة يضع آماله فيها في أول خطوة في مشوار الحياة وبناء المستقبل الذي يطمح له قبل أن يحتضنه الشارع ويقع في شرك النفوس الضعيفة.. وتاقت نفسي أيضاً إلى أجواء المحبة والمودة التي كانت تتميز بها الأسر العدنية وما آل إليه الحال اليوم في عالم ضاعت فيه البراءة والمحبة والمودة وسكنت فيه الفرقة والضياع والجري وراء لقمة العيش التي تتطلب المزيد والمزيد من الجهد للحصول عليها.. ولم أصح من الحزن الذي انتابني فجأة من سرد المعاناة إلا حين قرع الباب وظهر ابني بابتسامته البريئة وما تملكني من شوق وشغف لمعرفة حكاياته الطفولية البريئة وسن الغزال الذي ينتظره!!